كتاب وأراء

عمائم وعروش

من أعظم أسباب تأخر المسلمين العلم الناقص، الذي هو أشد خطراً من الجهل البسيط، لأن الجاهل إذا قُيضً الله له مرشدأ عالما أطاعه، ولم يتكبر أو يتفلسف عليه، أما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري، ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل «ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم» ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين فساد الأخلاق، بفقد الفضائل التي حث القرآن عليها، ومن أكبر عوامل تقهقر المسلمين فساد أخلاق أمرائهم بنوع خاص، وظن هؤلاء إلا من رحم ربي أن الأمة خلقت لهم، وأن لهم أن يفعلوا بها ما يشاؤون، وقد رسخ لديهم هذا الفكر بمساندة وتشجيع العلماء المتزلفين المتقلبين في نعيمهم، فأفتوا لهم بجواز قتل الناصح، بحجة أنه شق عصا الطاعة وخرج عن الجماعة، لقد كان العلماء قديما يرفعون أصواتهم عند طغيان الدولة، وطغيان الخليفة أو الملك أو من حولهم من البطانة المستفيدة، وكان العلماء قديما معروفين بالزهد والورع، لا يهمهم غضب الملك أو رضاه طالما هم يطالبون بالعدل والمساواة والحق، إلا أنه مع مرور الأيام خلف هولاء أناسا اتخذوا العلم مهنة للعيش، وجعلوا الدين مصيدة للدنيا، فسوغوا للفاسقين من أشنع موبقاتهم، وأباحوا لهم باسم الدين خرق حدود الدين، هذا والعامة المساكين مخدوعون بعظمة عمائم هؤلاء العلماء وعلو مناصبهم، يظنون فتاويهم صحيحة، وآراءهم موافقة للشريعة، فيكثر الفساد، وتذهب مصالح الأمة، ويتقهقر الإسلام، والعدو يعلو ويتنمرً وكل هذا إثمه في رقاب هؤلاء العلماء. هذا بعض ما كتبه أمير البيان الشاعر والأديب والسياسي «شكيب ارسلان» في كتابه لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، والذي نشر عام 1939، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لم يتغير شيء، وإنما زاد عدد العلماء المعممين والذين يقبضون الثمن لقاء توجيههم للرأي العام والسيطرة على عقول البسطاء، وزاد عدد المنافقين الذين يباركون كل قرار يتخذه الرئيس أو الحاكم وهم يعلمون علم اليقين مدى حماقة هذه القرارات، لاحظ كمية التصفيق أثناء خطاب لرئيس أو مسؤول لا يقول شيئاً يعتد به، وستجد أن الوقت الذي ينفقه هؤلاء في التصفيق يفوق الوقت المخصص للخطاب بعشرة أضعاف دون مبالغة، هذه الممارسات المبتذلة والمكشوفة هي أولى الخطوات لتحويل الاقزام إلى عمالقة وبداية لصناعة الديكتاتور، الأمر بتلك البساطة، الجأ إلى اليوتيوب واستمع بالصوت والصورة لرئيس دولة مغرم بالظهور على شاشات التليفزيون، يعشق اللقطة حسب تعبير البعض، وليته يظهر في مناسبات سعيدة وإنما كلها بلا استثناء حوادث ومصائب يكرر فيها نفس الكلام غير المفهوم ويحصد تصفيقا غير مفهوم، ومعظم خطاباته تتكرر فيها كلمة واحدة هي «الإرهاب» مع أن العالم كله يعلم أنه ومن يدينون له بالولاء ساهموا بصورة أو بأخرى في خلق هذا الإرهاب، ومن المفروغ منه أن كل نظام حُكم قائم على قوانين تعسفية – مصادرة أموال وحريات– تعذيب- سجن وترهيب- هو الرهاب بعينه، فإن لم تكن كل هذه التجاوزات إرهابا فماذا يكون الإرهاب؟ ومنذ ما يزيد على مائة عام عبر الكاتب الروسي غوغول عن هذا العبث والتلاعب الامجدي بالحقائق بهذه الكلمات «اعثروا على القاضي، اعثروا على المجرم، ثم احكموا عليهما معا، كليهما!». والمعنى واضح.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري