كتاب وأراء

مطلوب مبيد للذباب الإلكتروني

أطلقوا عليهم في البداية وصف «المغردين». ثم بعد أن زاد عددهم وعلا ضجيجهم وكثر الدخلاء بينهم عادوا ليسموهم «بالذباب الالكتروني». فترة قصيرة من بعد ظهور «تويتر» كانت كفيلة بتحويل بلابل ينتظر منها أن تغرد على الشبكة العنكبوتية إلى ذباب يطن ويُنفّر. ومن اللافت في لغتنا الجميلة أن كلمة «تغريد» كما تُطلق على صوت الطيور تطلق أيضاً على صوت الذباب.
مع أن الفارق بين الصوتين هائل كما هو معروف سواء في طبيعته أو أثره. فتغريد البلابل ليس كتغريد الذباب. لكن على شبكات التواصل الاجتماعي تختلط البلابل بالذباب ويتداخل التغريد بالطنين.
لقد تكاثر الذباب الالكتروني بسرعة. بعد أن كانوا بالعشرات أصبحوا اليوم بمئات الآلاف وربما بالملايين. كبرت أسرابهم وكثر تخريبهم. يعيشون على التلفيق والأكاذيب والادعاءات. باتوا مكونات أساسية لجيوش الكترونية تخترق وتتجنى وتفبرك. يُطلقون حسابات وهمية ويديرون صفحات تروج لأخبار كاذبة تخدم وجهات نظر ومواقف سياسية يؤمرون بنشرها. يُسفّهون بكل الطرق أي رأي مختلف، فهم مكلفون بقتل الحقيقة والحق معاً.
وأكثر الذباب الالكتروني من صنع الحكومات. لكن المعارضات تأبى ألا تتعلم من حكوماتها. صار لها أيضاً ذبابها الالكتروني. أصبح التشويه يجري على قدم وساق. ولما لا والعصر كله يسمى بعصر ما بعد الحقيقة؟. لا يهم فيه أن يكون ما يُكتب أو يُنقل صحيح. الأهم أن يتردد على نطاق واسع حتى يستقر في مسامع الناس على أنه الحقيقة. ونظراً للأهمية البالغة لوسائل التواصل الاجتماعي فلم تكن الحكومات لتتركها بعيدة عن يدها. فالحروب الإعلامية لم تعد تدار عبر وسائل تقليدية كالصحف والإذاعة والتليفزيون فقط وإنما بات الملايين يشاركون فيها من خلال وسائل مثل الفيسبوك وتويتر وانستغرام وغيرها.
وبدلاً من مقاومة الذباب الالكتروني صارت حكومات عديدة تؤويه وتعتني به. فما أن تقرر تشويه خصماً لها إلا وتطلب من ذبابها الالكتروني أن ينطلق. أن ينشر ويعيد نشر تغريدات مليئة بالزيف وبإشاعات تسافر بطول الأرض وعرضها، تظل تتكرر حتى يراها الناس على أنها الحقيقة. إنها عملية تشويه كاملة للصور الذهنية تقوم بها تلك الحشرات الالكترونية. وهي تبدو من حيث الشكل وكأنها تقدم إضافات جديرة بالاعتبار. لكنها في الجوهر تدس سم السياسة في عسل التكنولوجيا. هذا الذباب الالكتروني مثلاً هو من ظل يردد عبر ملايين التغريدات أن نظام الأسد يحارب الإرهاب. وهو الذي أطلق على دولة قطر عديد من الشائعات المغرضة. وهو من يروج لأن القدس لا يجب أن تبقى عقبة تحول دون التوصل إلى السلام.
ولا يعمل الذباب الالكتروني منفرداً وإنما ضمن جيوش الكترونية بدأت دول عديدة تشكلها وتنفق عليها بسخاء. جيوش تقوم بالاختراق الالكتروني لمواقع حكومات ومؤسسات، وبالتجميد الالكتروني لصفحات وحسابات، وبالرصد الالكتروني الدقيق لما يكتب وينشر، وبالتشويه والتشويش الذهنيين. وهذه المهمة الأخيرة يقوم بها الذباب الالكتروني بكثافة عن طريق إعادة التغريد المتكرر حتى يبدو ما يتردد على أنه اتجاهاً عاماً ورأياً جماهيرياً. إنهم حشرات الكترونية مزعجة تظل تطنطن بالأكاذيب ليكتمل التشهير بمن يستهدفونه.
لقد حوّل الذباب الالكتروني تكنولوجيا التغريد إلى وسيلة للتغرير. ملئوا شبكة الانترنت بالكذاب البواح. من كثرة أعدادهم لا يكاد فرد تفاعل عبر الفضاء الالكتروني إلا وسمع طنينهم ولو لمرة. كل يوم يعيدون بث رسائل مشوهة. والرسائل التي لا تصيب تدوش كما يقولون. وما أكثر الدوشة التي يسببها الذباب الالكتروني هذه الأيام في منطقتنا. ففيها حروب دامية وخلافات مستفحلة تستعمل فيها كل الوسائل بما فيها الوسائل الالكترونية التي تحولت إلى مستنقعات أخلاقية وجد الذباب الالكتروني فيها الفرصة للتكاثر والتخريب.
ومن أجل الحفاظ ولو على حد أدنى من الصحة العقلية العامة فلا بد من تعاون دولي واسع للحد من ظاهرة الذباب الالكتروني. لكن ذلك لا يبدو ممكناً. فأقصى ما تفعله الحكومات والأحزاب والقوى السياسية أنها تحارب الذباب الالكتروني الموجه ضدها بذباب الكتروني مضاد يهاجم خصومها. وهذا برغم الاضطرار إليه أحياناً لن يمثل حلاً بل قد يعقد المشكلة. فهو يزيد المستنقعات الالكترونية التي يتغذى عليها وينمو فيها هذا الصنف المزعج من الذباب. إلى الآن لا يوجد مبيد إعلامي أو قانوني أو أخلاقي أو سياسي يوقف هذه الظاهرة المدمرة. ولن يوجد مثل هذا المبيد قبل أن يجري حوار سياسي حقيقي وبنّاء سواء بين الدول أو بين القوى السياسية داخل كل دولة. مطلوب كذلك إطار قانوني دولي وإقليمي ومحلي يجرم ويحارب الذباب الالكتروني ويوقف طنينه. ومطلوب أيضاً صحوة ذهنية وانتباه شديد من كل من يتفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي حتى لا يرى ما يقرأه على صفحات الانترنت هو الحقيقة.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات