كتاب وأراء

جوهر الفن

إن كل كذب أو ابتعاد عن الصدق الحقيقي في الفن أمرغير ممكن، ذلك أن «الصدق الفني هو صدق يعكس الجوهر» ولا أحد يختلف مع هذه الجملة التي قالها مؤسس المسرح الروسي «قسطنطين ستانيسلافسكي» وجوهر الأمر لا يكمن في الزيف والافتعال والسطحية والتهور والصفات الرديئة، وحده الفنان غير الموهوب هو من يفتقر للذوق بشكل عام، ويحتاج لإثارة ضجة بين فترة وأخرى ليغطي على نقص موهبته، وسلوكه الفظ، كان المُشاهد قديماً كما ذكر المؤرخ والكاتب النمساوي «ستيفان تسايفج» يرى في الممثل قدوة حسنة يتعلم منها كيف يلبس ثيابه، وكيف يتعامل مع الناس، وكيف يتحدث، وأي الكلمات يمكن أن يستخدمها كشخص رفيع الذوق، وأيها ينبغي أن يتفاداها، لم يكن الفن مجرد وسيلة للترفيه، بل كان المرشد الشفوي الموجه للسلوك السليم، واللفظ الصحيح، وكانت هالة من الاحترام تحيط بكل شيء له أوهى علاقة بالفن، كان يمكن أن يسير في شوارع أوروبا رئيس الوزراء أو أحد كبار الأثرياء من غير أن يلتفت إليه أحد، أما الممثلون أو مغنو الأوبرا أو الأدباء أو الرسامون فقد كان يعرفهم كل العاملات البسيطات في المتاجر، وسائقي المركبات، والاطفال والشيوخ، وكل فئات الشعب. ويروى ذات مرة ان نابليون الثالث أمبراطور فرنسا كان بصدد نزوله من عربته الملكية الفخمة في حديقة التوليري، حين أحاط به جمهور غفير من الناس لتحيته، وقبل أن يستمتع بهذه اللحظة التي توثق علاقة الحاكم بالمحكوم شاهد الجميع يتراكضون في الاتجاه الآخر، ووقف وحيدا وغاضبا وسط حراسه، إذ أن الجماهير سمعت أثناء احتشادها حوله أن الاديب «فيكتور هيجو» يتمشى في الجانب الآخر من الحديقة، وبالنسبة لهم كان فيكتور أهم من الامبراطور، وكان المعجبون بهيجو يراسلونه من مختلف بقاع الارض، وكان يكفي أن يكتبوا على الظرف إلى عظيم فرنسا بدون ذكر اسم أو عنوان، حتى يعرف الموكلون بتوزيع الخطابات أن المقصود هو فيكتور هيجو، وفيما بعد وبسبب رفض الأديب لسياسة العاهل الفرنسي واستبداده بالحكم تم نفيه خارج البلاد ولمدة عشرين عاما، هذا التعلق الذي بلغ حد العبادة لكل من يعمل بالفنون شمل العالم المحيط بهم أيضاً، فالحلاق والسائق والطاهية والموظف البسيط الذي يعمل عند أحد هولاء الفنانين المشاهير كان يحظى بمعاملة خاصة لقربه من هذه الشخصيات المحبوبة، ورحيل أي فنان محبوب كان يتحول إلى حداد وطني، ويخرج الناس عن بكرة أبيهم لتشييع جنازته ووداعه الوداع الأخير، هذا الاهتمام الشديد جعل الفنان في حالة منافسة مستمرة، عليه فيها أن يبذل أقصى جهده ليتجاوز الآخرين، ويتجنب الوقوع في الشبهات، وليثبت أنه يستحق التقديروالتبجيل، وان من واجبه أن يقدم أفضل ما عنده، فهو يعي تماما أنه مراقب وأنه قدوة، كلماته محسوبة وكذلك تصرفاته، وأن أي توانٍ في الأداء أو السلوك كان غير مقبول ولا يغتفر، ويعني سقوطه سقوطا ذريعا من القلوب والعقول.. هذا كان في الماضي، ومن نافل القول ان الفنانين في عالمنا العربي باستثناء بعض الأسماء القليلة من هنا وهناك ليسوا قدوة يُحتذى بها، فالجهل وضيق الأفق والنميمة والفظاظة والحماقة والغرور والزهو والخيلاء، والفهم السطحي والشكل الخارجي، والإسراف سمة من سماتهم! الإسراف في كل شيء عدا تطوير موهبتهم إن وجُدت، وتطوير أنفسهم.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري