كتاب وأراء

حكايات المقعد الخلفي


مخلل بطاطا (5)
يعود المغتربون لأوطانهم كسائحين، يتلهفون لرؤية المزارات ومراتع الطفولة، فهذا المتحف زاروه صغاراً في رحلة مع المدرسة، وهذا المزار كانت لهم فيه ذكريات مع العائلة.
لذا خصصت يوماً للحسين، حين عدت لوطني في إجازة، فتوغلت من خان الخليلي إلى الغورية والصاغة، ثم عرجت على شارع المعز، ومررت بالخيامية في نهار شتوي تمنيته ممطراً، حتى وصلت لمسجد السيدة زينب ومن هناك أوقفت سيارة أجرة وجلست منها في المقعد الخلفي.
كان السائق جداً ودوداً، استأذن مني للوقوف قليلاً لشراء طعام، بعدما أبلغني أنه جائع جداً «لأن الدنيا شتا».
جلست أنتظره وقد عاد سريعاً بالمؤونة، وكان كريماً مجاملاً؛ حيث دعاني ومن معه في سيارته لمشاركته الطعام، اعتذرت وشكرته، لكن كرمه الأصيل دعاه للإلحاح وأخبرنا أننا سنتذوق شيئاً بسيطاً، لكنه طيب.
يا له من شخصية مجاملة وكريمة، وكم هو جميل أن تجد الكرم من الغريب. كانت أول مرة تذوقت فيها أشهى مخلل بطاطس طعمته في حياتي، ثم رحت أبحث في معنى المجاملة التي تدفع بالإنسان للكشف عن جميل معدن إنسانيته حتى مع الغرباء. هناك أسماء كثيرة للإبل منها: الناقة، المطيبة، الفحل، البعير، البكرة، الخلفة، اللقحة، الخلوج، البدنة، حمراء النعم، الهجن، الهمل، الفحل، الراحلة العشراء، الحيل، القعود، المسوح، الدوسر، البخت وهي الإبل ذات الأعناق الطويلة، الظعائن، المعاويد، الوقداء، الشول، القلوص، الحرف وهي الناقة الضامرة، الوجناء وهي الناقة الشديدة الضخامة، لكن بدون لحم كثير، والمطية، هي الأنثى التي يمتطى ظهرها، ثم ما يعنيني من أسماء هو الجمل ويطلق على الذكر من الإبل، ويكون لحمه كثيراً جداً.
ومعروف أن العرب كما غيرهم لم يكن لديهم برادات لتخزين هذا الكم الهائل من اللحم الخاص بالجمل، ما يعني أن من يذبح حملاً، شاةً، ماعزاً، أو أياً من سائر الأغنام فإن ذلك يعني أنه يستطيع بالكاد تناول طعام اللحم هو وعائلته، في حين أن من يذبح جملاً لا حملاً، فإنه حتماً سيهادي باللحم الفائض من الجمل لأقاربه، جيرانه، معارفه، وأي طارق.
لذا، سُميت الهدية بالجميل؛ لأنها نابعة من جود لحم الجمل، وهو أرقى ما كان يهادي به العرب كون أن لحم الجمل يعني دعوة ولمة على عشاء وسهرة وأمسية ومودة وتزاوراً، لا أن ينعم الإنسان وحده بطعامه.
ولا أعلم سر تحول المعنى، بحيث إن شكرت أي إنسان على مجاملته لك، ذعر وأنكر سبة بها رائحة النفاق، مخافة أن يكون ما قاله لك على سبيل كرم المجاملة، بل يؤكد أنه صدق ويكأن الجميل والمعروف مداهنة. ومن الجمل اشتق لفظ الجمال، فالمرأة الجميلة متوقع أن تكون كالجمل عامرة باللحم لتشتهى لا نحيفة لا شحم في متنها. وهو ما يلقي الضوء على الكيفية التي كانت تُرى بها النساء في ذاك العهد والمعنى يشيء بالتشييء ومحض المنفعة. عصارة القول، إن الجَمال هو أن تقتسم فضل خيراتك مع سواك، فضل خيرات لسانك، فضل خيرات طعامك، فضل خيرات مالك، فضل خيرات وقتك، فضل خيرات علمك، فضل خيرات قلبك.
وكم هو جميل أن تجامل فيفهم الآخرون أنك مجامل وصادق في مجاملتك لا أفَّاق أو منافق.

كاتبة مصرية
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي