كتاب وأراء

«الصحفيون المواطنون» باتوا مثل «الأطباء الحفاة» أيام الثورة بالصين

يتداول المغاربة تعبيراً طريفاً مفاده أن «فيسبوك» هو أكبر حزب في البلاد.
تقول الإحصاءات ان عدد صفحات النشطاء المغاربة في شبكة «فيسبوك» تجاوزت 18 مليون صفحة.
هذا الرقم يفسر العبارة التي باتت تعرف على نطاق واسع وسط رواد «الصحافة الاجتماعية».
يتعامل كثيرون في المغرب مع ثلاث شبكات اجتماعية، هي «فيسبوك «وتويتر» و«يوتيوب»، في حين يحبذ عدد كبير من الشباب النشر في «انستغرام» و«سناب شات».
المؤكد أن «الصحافة الاجتماعية» لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل صنعت لنفسها عصراً بأكمله.
إذا أضيفت لها الصحف الإلكترونية أو مواقع الصحف الورقية، يكون عدد المتعاملين في كل مكان ملايين.
في هذا الصدد كان لافتاً أن يقول محمد الأعرج وزير الثقافة والإعلام المغربي ان هناك قرابة 536 صحيفة إلكترونية في البلاد. بل أكثر من ذلك طلب البرلمان المغربي مناقشة هذا «الانفجار الإعلامي» الذي أصبح حاضراً في كل بيت وملتقى، وهو أداة قفزت فوق جميع وسائل التواصل، وراح كثيرون يدرسون ما إذا كانت «الشبكات الاجتماعية» تصنع السياسة، وبأي تكاليف على الوعي وعلى فرصة الاختيار بل وعلى الحقيقة.
خاصة عندما تكون «الصحافة الاجتماعية» أسرع وسيلة لنقل الصور والكلمات ومقاطع الفيديو، وتساعد لضبط حركة الزمن على لحظة واحدة وتوقيت جامع يحدث فيه كل شيء في كل مكان في نفس اللحظة.
بل وكانت أكثر المؤثرين على عالم التواصل التقليدية وأدواته من كلمة وصورة، وكان التأثير فادحاً وفي بعض الأحيان فاضحاً.
الجديد في المغرب بشأن «الشبكات الاجتماعية» أن الجهات الرسمية تدرس الآن كيف يمكن توظيفها بطريقة إيجابية، بحيث تصبح وسيلة تواصل وليس وسيلة لخلق البلبلة والتضليل.
كان لافتاً أن إدارة الشرطة المغربية أصدرت في أكثر من مناسبة، وهو أمر غير مسبوق، بيانات تدحض فيها محتوى مقاطع فيديو، خاصة تلك التي تتحدث عن عنف أو انتهاكات واعتداءات لا أخلاقية، وفي كل مرة تقول هذه البيانات أن مقاطع فيديو تمت فبركتها، بل وفي بعض الأحيان أوضحت البيانات أنها مقاطع لوقائع من خارج المغرب سواء كانت من بعض دول الشرق الأوسط التي تعرف اضطرابات أو انفلاتات أمنية أو حتى من بعض الدول الأوروبية.
في آخر البيانات التي أصدرتها «الإدارة العامة للأمن الوطني» كما هو اسم جهاز الشرطة في المغرب، تعهد بالمتابعة القضائية لكل من يفبرك معلومات أو صورا ومقاطع فيديو.
في الآونة الأخيرة عزز هذا الجهاز إدارة تعرف باسم «الشرطة العلمية» مهمتها الاستعانة بتقنيات حديثة وتكنولوجية متقدمة للكشف عن بعض الجرائم.
المشكلة الاساسية في «الصحافة الاجتماعية» أنها تعتمد على فكرة «الصحفي المواطن» التي جاءت من الغرب، على أساس أن الناس العاديين يمكنهم أن يتحولوا إلى «صحفيين» عندما يشاهدون أو يسمعون أخباراً في مدينتهم أو حتى في الحي الذي يقطنون فيه، وينقلونها إلى الآخرين عبر «الصحافة الاجتماعية» طالما أنه يمكنهم استعمال هواتفهم المحمولة في كتابة وتصوير الأحداث.
لكن هذه الموجة عندما وصلت إلى العالم العربي وبلد مثل المغرب، اصطدمت بعقبة أساسية، وهي أن هؤلاء «الصحفيين المواطنين» لا يمكن الثقة في معلوماتهم لأنهم لا يعرفون كيفية توثيق الأخبار، كما أنهم لا يعرفون الطريقة المهنية لكتابة هذه الأخبار على غرار ما يفعل محررو الصحف المحترفون، طالما أن «الصحفيين المواطنين» ليس لهم دراية بالقواعد المهنية.
القول بوجود «صحفيين مواطنين» يماثل تماماً القول في عهد الثورة الثقافية الصينية في الستينيات بوجود «أطباء حفاة»، أي أولئك الذين تلقوا معلومات متواضعة لتشخيص أو علاج بعض الأمراض وانتشروا في الريف والقرى الصينية وسط الفلاحين للتشخيص والعلاج.
كانت النتائج كارثية في الصين، كما هي الآن النتائج كارثية عندما يكتب «الصحفي المواطن» أخباراً.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل