كتاب وأراء

مشهد الترويض المتبادل بين واشنطن ومجلس الأمن


خلال فترة قصيرة خاضت الولايات المتحدة معركتين دبلوماسيتين مع مجلس الأمن، الأولى على خلفية قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخصوص وضع القدس حيث رفض المجلس القرار، والثانية بخصوص الوضع الداخلي في إيران حيث عجزت الولايات المتحدة عن دفع المجلس للتدخل. وكلاهما يصلحان عنوانا لمرحلة من الترويض المتبادل أو صراع الإرادات بين الطرفين.

سواء من حيث المبادئ، أو الواقعية السياسية، كان مجلس الأمن محقا إلى حد كبير عندما رفض قرار ترامب الذي تضمن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، تمسكا من المجلس بإرادته الدولية من ناحية، وممارسة ضغط سياسي قوى على الإدارة الأميركية لترويض سياستها الخارجية الجامحة من ناحية أخرى. ومن نفس المنطلق، أي الترويض وفرض الإرادة، وليس القطيعة والمواجهة «الصفرية»، جاء قرار الجمعية العامة حاملا نفس موقف مجلس الأمن. وكان بإمكانها أن تزيد على هذا الموقف بأن تعلن عدم استمرار الدور الأميركي في عملية السلام بحكم أنه لم يعد حياديا بل منحازا لإسرائيل، ولكنها لم تفعل وتركت الباب مفتوحا للدور الأميركي، لتنتهي قصة المواجهة في مجلس الأمن بخصوص هذه القضية إلى أنها عنوان لمرحلة من صراع الإرادات والترويض المتبادل بين الطرفين.
الموقف ذاته تكرر في واقعة الدعوة الأميركية لمجلس الأمن للتدخل في الأوضاع الداخلية الإيرانية ولكن مع الفارق. وقد اتخذت القصة هذه المرة أيضا طابع الدفاع عن المبادئ، بينما هي مشهد جديد لصراع الإرادات والترويض المتبادل بين المجلس والولايات المتحدة في ظل عهدة الرئيس ترامب.
الإدارة الأميركية استندت إلى الصياغة الفضفاضة للمادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة التي تتعلق بمهمة المجلس لحفظ الأمن والسلم الدوليين، وربما أيضا إلى حالات دولية سابقة لتبرير دعوتها هذه، وبالمقابل رد المعترضون بتفنيد الحجج الأميركية. وقد استقر العرف الدولي على مؤشرات محددة لما يمكن أن يعد تهديدا للأمن والسلم الدولي كوقوع الحرب بين دولتين أو أكثر أو حدوث إبادة جماعية في حالة ما إذا كان الموضوع مرتبطا بحرب أهلية في دولة ما.
ولكن الولايات المتحدة لم تستطع توفير الأغلبية المطلوبة لعقد جلسة يتم فيها مناقشة الوضع الداخلي الإيراني واتخاذ موقف دولي بخصوصه واقتصر الأمر على إفادات من بعض الأعضاء عن الوضع. ويبدو أن الإدارة الأميركية قد بررت طلبها بأن الوضع الداخلي الإيراني يهدد الأمن والسلم الدولي استنادا لما اعتبرته هذه الإدارة انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان.
وبنظرة إلى الصياغة الفضفاضة للمادة 24، يمكن تفهم هذا الطلب من الوهلة الأولى من منطلقين، أحدهما يتعلق بأن انتهاكات حقوق الإنسان في دولة ما يمكن أن تثير مشكلات تهدد الأمن والسلم لجيرانها من الدول الأخرى ومن ثم للعالم كأن تمتد أثارها إلى هذه الدول، والآخر يتعلق بأن تتحول هذه الانتهاكات إلى ما يسمى بالإبادة الجماعية. ولكن لا شيء من هذا وذاك يمكن أن ينطبق على الحالة الإيرانية، فقد جاءت الاضطرابات شأنا داخليا محضا ولم يظهر منها ما يؤشر على أنها تمتد بآثارها إلى الدول المجاورة، والولايات المتحدة ذاتها لم تصف ما جرى على أنه إبادة جماعية. ولذلك لم يجد الطلب الأميركي آذانا صاغية عند بقية الأعضاء في مجلس الأمن.
إلا أن هذه الواقعة تبدو أشد تعبيرا عن اتساع المسافة بين رؤية الولايات المتحدة وبقية الدول الكبرى لقضايا العالم المعاصر، ومن ثم تجسد مرحلة من الترويض المتبادل للمواقف والسياسات بين واشنطن ومجلس الأمن. فالولايات المتحدة تنظر للعالم الخارجي الآن على أنه عالم موحش بالنسبة لها ممتلئ بالمخاطر والتهديدات، ومن ثم لا ترغب في مد جسور التعاون المتبادل. لقد باتت تخشى من دول ومصادر عديدة تعتبرها خطرا على أمنها القومي، وتركز على تحقيق التفوق في التنافس الدولي الراهن، بينما بقية الدول الكبرى ترى عكس ذلك كله.
وبما أن الرؤى للعالم على طرفي نقيض، لا يكون مفاجئا أن يشهد مجلس الأمن معارك دبلوماسية ساخنة من هذا النوع بين واشنطن وبقية الأعضاء، تهدف إلى ترويض الآخر بما يجعله يستجيب لإرادته.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد