كتاب وأراء

سوء فهم مزمن

تفترض العلاقة بين السياسي والصحفي، توترا طبيعيا بين سلطتين بمنطقين مختلفين، أو على الأقل بين فاعلين يشكل بالنسبة إلى كليهما التأثير في الرأي العام رهانا مشتركا، وفي نفس الوقت فإنهما يختلفان في الاستراتيجية والوظيفة والإمكانيات.
جزء كبير من التشريعات والأخلاقيات والتقاليد وضعت لتأطير هذه العلاقة التي يمكن دائما أن تنزاح عن مجراها المعياري وحدودها الأخلاقية، لتسقط إما في حالات الاستعمال والتواطؤ والتبعية أو إما في حالات القذف واختلاق الأخبار وخدمة أجندات لا علاقة لها بالمهنة.
لذلك الحدود دائما ملتبسة، وشرط المهنية والاستقلالية التحريرية يوجد يوميا تحت اختبار النزاهة واحترام معايير المهنية في تقديم الخبر والرأي وتجنب السقوط في خدمة سلطة سياسية أو اقتصادية أو مالية.
هذا النقاش الموجود في كل العالم والذي ينطلق من فكرة المجتمع الديمقراطي المؤمن بسلطة الصحافة والرأي العام، لكن إذا كانت الإشكاليات القديمة التي تعرفها هذه العلاقة لاتزال حاضرة، فقد أضيفت إليها إشكاليات جديدة من ضمنها أثر الاستعمال المكثف لوسائط التواصل الاجتماعي على عملية صناعة الخبر، وسهولة الانزياح نحو تعميم الأكاذيب لتضليل القراء وتصفية الخصوم، حيث أثر غياب فارق الزمن بين الحدث والخبر على شروط التأكد من صحة المعلومات المتداولة والتحري بصدد صدقيتها، وحول التنافس المجنون على زر الإعجاب، وسائط التواصل إلى ساحة لممارسة قتل يومي لأبجديات الصحافة.
جزء من هذا النقاش تعيشه فرنسا على إيقاع مشروع قانون يهم الأخبار الكاذبة داخل فضاء الإنترنت.
لكن الوضع في الساحات العربية أكثر هشاشة، والعلاقة أكثر التباسا، لأننا لا نملك تقاليد قوية في حقل الصحافة، ولان فكرة استقلالية الصحفي هي فكرة حديثة في تاريخنا الراهن وهذا واحد من أسباب سوء الفهم الكبير بين السياسي والصحفي.
في شرح ذلك يمكن القول إن السياسي يستبطن في الغالب ذاكرة من التفوق في العلاقة مع الصحفي، وهو ما يعود إلى سنوات طويلة عرفت سيادة الإعلام الرسمي حيث الصحافة في خدمة السلطة، وهيمنة الإعلام الحزبي حيث الصحفي يتحرك في سياق تحريري يحدده السياسي، وهو ما يجعل هامش المهنية تحت رحمة صاحب القرار السياسي.
إن النظر إلى الصحفي كمجرد امتداد وظيفي للفاعل السياسي بمنطق الدعاية التقليدية، أو كمجرد معارض سياسي بمنطق السلطوية التي تعادي نشوء أي سلط مضادة، هو ما يزال يحكم جزءا كبيرا من الثقافة السياسية لمجتمعاتنا، وهو ما يفسر العطب الكبير الذي يحول تأسيس علاقة طبيعية بين الصحفي والسياسي.
صورة تتحدث
لقطة من داخل مخبز في ولاية شانلي أورفة جنوب تركيا، افتتحته جمعية «تراحم» للأعمال الإنسانية والخيرية، بدعم من رجال أعمال كويتيين، والمخبز مخصص للاجئين السوريين بالمنطقة.
بقلم : حسن طارق

حسن طارق