كتاب وأراء

ماذا بعد «داعش»؟

بعد ان تم القضاء على مشروع الدولة الداعشية في سوريا والعراق، تبحث فرنسا عن مواطنيها –او عن حملة جنسيتها- من الذين انضموا إلى داعش. الاحصاءات الفرنسية الرسمية تقول ان عدد هؤلاء يبلغ 1700 رجل وامرأة. وقد عاد منهم إلى فرنسا منذ شهر نوفمبر الماضي، 302 شخص فقط. وهم تحت المراقبة ليلاً ونهاراً.
ولكن اين الباقون؟ تجيب دوائر التحقيق الفرنسية على هذا السؤال بطرح الاحتمالات الآتية:
أولاً: مقتل العديد منهم خاصة في المعارك الأخيرة. أما عدد هؤلاء القتلى فيصعب تحديده.
ثانياً: توجه عدد منهم إلى شمال افريقيا (وخاصة إلى ليبيا) وربما يكون هؤلاء وراء العمليات الانتقامية التي تتعرض لها مصر في سيناء، وحتى في العاصمة القاهرة أيضاً.
ثالثاً: يرجح ان يكون عدد آخر منهم قد توجه إلى الصحراء الجزائرية ومنها إلى البؤر الإرهابية في دول جنوب الصحراء، حيث ينضمون إلى الحركات المحلية التي توفر لهم المأوى والحماية.. وتكلفهم بمهمات جديدة.
رابعاً: لجوء عدد غير محدد إلى بعض الدول الأوروبية، باعتبار ان حملة جواز السفر الفرنسي أو الهوية الفرنسية يستطيعون التحرك بحرية في دول الاتحاد الأوروبي، أو الإقامة والعمل في أي من دوله. وتشكل تركيا طريق عبورهم –عبر اليونان-. وهي الطريق التي سلكها من قبل المهاجرون السوريون.
واستناداً إلى الدراسات الأوروبية فان عدد الإرهابيين الذين يحملون جوازات سفر أوروبية والذين عملوا في صفوف داعش، يقدر بحوالي خمسة آلاف شخص. وكما ان فرنسا تبحث عن «رعاياها» حتى لا يكونوا قنابل موقوتة تنفجر أو تُفجّر في المجتمع الفرنسي، فان الدول الأوروبية الأخرى وخاصة بلجيكا وهولندة، تبحث هي الأخرى عن مثل هذه العناصر الخطيرة على الأمن والسلامة العامة.
فمن بلدة بلجيكية صغيرة واحدة تدعى «فيل فوورد» لا يزيد عدد سكانها على أربعين الفاً، تبحث السلطات عن 28 شخصاً من سكان البلدة انضموا إلى الحركات الإرهابية في سوريا والعراق.
واستناداً إلى الدراسات المبدأية التي أجرتها سلطات البلدة، لم يعد من هؤلاء سوى ثمانية أشخاص فقط. يقضي ستة منهم عقوبات في السجن. أما الآخران، فقد توفي أحدهما، وتم «تدجين» الثاني وإعادة دمجه في المجتمع من جديد.
وقد احتلت هذه البلدة البلجيكية الصغيرة موقعاً مهماً في خريطة الإرهاب العالمي، لأن أحد ابنائها، أو حملة جنسيتها، عبد الباقي الستّي، كان العقل المدبر لجريمة التفجير التي استهدفت مدينة برشلونة في شهر اغسطس العام الماضي، والتي أدت إلى مقتل 13 شخصاً. ولم يعثر على هذا القاتل الذي نصّب نفسه إماماً لأحد المساجد لأنه قتل هو نفسه بانفجار قنبلة كان يعمل على إعدادها لتفجيرها في عملية إرهابية أخرى.
وقبل أن يتوجه الستّي إلى برشلونة، فشل في أن يفرض نفسه إماماً في أحد مساجد بلدة «فيل فوورد» نظراً لسجله المليء بجرائم تتعلق بتهريب المخدرات والاتجار بها. الا انه نجح في اسبانيا.
ومن هنا وجدت الدول الأوروبية ضرورة ملحة لاعتماد نظام مفتوح على أجهزة الأمن والمخابرات في هذه الدول لتبادل المعلومات حول «الجهاديين» العائدين.
ولو كانت أجهزة الأمن والمخابرات الأوروبية متعاونة ومنفتحة على بعضها لما وقعت جريمة برشلونة. بل ولما وقعت قبل ذلك جريمة باريس التي استهدفت احد الملاهي فيها حيث قام بالجريمة «مواطنون» بلجيكيون من اصول مغاربية انتقلوا إلى العاصمة الفرنسية من بلجيكا.. ومن بلدة «فيل فوورد» بالذات.
والسؤال الكبير الذي يقض مضاجع سلطات الأمن والسياسة والقضاء في الدول الأوروبية هو: ما هي أفضل وسيلة للتعامل مع الجهاديين العائدين«؟.
هل يزجّ بهم في السجون؟ لقد اثبتت التجربة ان السجن ليس حلاً. بل انه مصدر اساسي للإرهاب. فمعظم الإرهابيين الأوروبيين كانوا خريجي سجون، وليسوا خريجي مساجد.
هل تسحب منهم الجنسية الأوروبية ويبعَدون إلى دولهم الأصلية؟. إن المعاهدات الدولية ومواثيق حقوق الانسان تتعارض مع هذا الإجراء.
هل يعاد استيعابهم وتأهيلهم اجتماعياً لدمجهم في المجتمع من جديد؟. لقد جرت تجارب من هذا النوع في السابق وأثبتت نجاحها. ولكنها كانت عمليات مكلفة واحتاجت إلى نفس طويل لا يبدو ان كل الدول المعنية قادرة على تحمّل هذه الأعباء، أو ان لدى مجتمعاتها قدراً كافياً من الصبر والتحمّل. ثم ان صعود الحركات الشعبوية الرافضة للاجانب وخاصة للمسلمين في العديد من الدول الأوروبية تزيد الأمر صعوبة وتعقيداً. ذلك ان هذه الحركات ترفع شعارات اشبه ما تكون «بالتطهير العرقي» وخاصة في فرنسا وبلجيكا وهولندة وألمانيا والنمسا، وفي دول وسط أوروبة كلها، خاصة في بولندة.
على ان مشكلة «الجهاديين» العائدن اشد ما تكون تعقيداً وصعوبة في الاتحاد الروسي. فالشيشانيون الذين عملوا في سوريا طوال السنوات الست الماضية وهزموا تحت قصف الطيران الروسي، عادوا إلى بلادهم وهم يحملون معهم مشاعر الانتقام.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك