كتاب وأراء

ماذا يتبقى؟

هل صحيح أن معظم الأمراض العضوية التي تصيبنا تكون نتيجة القلق بدءاً من الصداع النصفي والغدة الدرقية، وانتهاء بالسرطان، بعض العلماء يؤكدون ذلك، تروي أنيتا مورجاني في كتابها «أموت كي أكون أنا» أنها تأثرت بإصابة صديقتها المقربة بالمرض الخبيث، ودفعها الخوف والقلق إلى البحث عن كل ما يتعلق بهذا المرض، وبعد عدة أسايبع علمت ان صهرها يعاني من نفس المرض، فتحول الخوف في داخلها إلى قلق ورعب، تقول انتيا: «كلما قرأت عن المرض، ازداد خوفي من أي شيء يُحتمل أن يتسبب به، بدأت أؤمن أن كل شيء يسبب السرطان، المبيدات الحشرية، المواد الحافظة، الميكرويف، الطعام المعلب، أشعة الشمس، تلوث الهواء، أوعية الطعام البلاستيكية، الهواتف المحمولة، وهكذا! إلى أن خفت في النهاية من الحياة ذاتها، وإلي أن أصبت بالسرطان فعلا»، وخلال أربعة أعوام تحولت أنيتا من شابة ممتلئة بالحياة إلى هيكل عظمي مملوء بالمرارة والعجز، جربت خلال تلك السنوات كل أنواع العلاج، خضعت للمعالجة بالتنويم المغناطيسي، زارت اختصاصيين في تهذيب النفس الطبيعي، باختصار اتبعت كل نصيحة تلقتها، وكل مشورة سمعتها، سافرت إلى الهند لتلقي علاج روحي «الأيروفيدا»، وشعرت بالتحسن عندما أكد لها معلم اليوغا أن السرطان مجرد كلمة تصنع الخوف، وعليها نسيان هذه الكلمة، والتركيز على مُوازنة الجسد، فكل الأمراض تعبر عن عدم التوازن، لا يمكن ان يبقى هناك مرض عندما يتوازن الجسد، إلا أن الستة شهور التي قضتها هناك ذهبت هباء بعد عودتها إلى بلدها «هونج كونج» إذ تأثرت بشكوك المحيطين بها حول خيارها في المعالجة، فالسرطان كما قالوا لها لا يمكن علاجه بهذه الطرق، واشاروا عليها بضرورة الخضوع للعلاج الطبي المعروف، ولعل أكثر ما يدفعنا لاتخاذ قرارات فاشلة هو كثرة النصائح المشوشة التي يتبارى في تقديمها الجميع عند وقوع مصيبة أو حادثة تستوجب النصح، وهكذا تدهورت صحتها يوما بعد يوم، وبدأت تقتنع بالجملة السخيفة التي يتم تداولها عند وقوع مصيبة «ما يحدث له أو لها عقاب من رب العالمين لعمل سيئ لا نعلم به» وتكمل أنيتا حكايتها قائلة: «سرعان ما وجدت نفسي حبيسة قفص خوفي ويأسي، لقد هرب الزمن مني، وبدأت أتقبل ردة فعل الناس الذين يرونني أو يتعاملون معي، وشعرت بالأسف لكوني أسبب لهم عدم الارتياح، وبت أعتبر كل من لم يكن عنده سرطان محظوظا، ثم توقفت عن الخروج ومقابلة الناس بعد أن ساءت حالتي وتوقف جهازي الهضمي عن امتصاص الطعام، وبدا ان رحلتي مع المرض على وشك الانتهاء بعد أن اخبر الطبيب زوجي وأمي اللذين لم يفارقاني لحظة أن رحيلي بات وشيكا، ثم جاء اليوم الذي لم أفتح فيه عيني، نقلوني على وجه السرعة إلى المستشفى، وسمعت الطبيب يقول لزوجي: «قد يكون قلب زوجتك ما يزال ينبض إلا أنها في الحقيقة ليست موجودة، لقد تأخر الوقت كثيراً من أجل انقاذها»، كنت مدركة تماماً لكل ما يجري حولي، وكنت أود لو كان بإمكاني ان اخبرهم انني بخير، ولم أعد أشعر بألم، أو بتعاطف مع جسدي الذي بدا ميتا، بل شعرت بالحرية والخفة! وأدركت وأنا في غيبوبة الموت أنني كنت دائماً قاسية جداً على نفسي.. لماذا كنتُ اعاقبُ نفسي دائماً؟ لماذا كنتُ أهجرها دوماً؟ لماذا لم أساند نفسي وأري العالم جمال روحي؟ لماذا كنتُ أقمع ذكائي وإبداعي كي أسعد الآخرين؟ لقد خنتُ نفسي في كل مرة أقول فيها نعم وأنا أعني لا، لماذا انتهكت نفسي من خلال حاجتي الدائمة إلى البحث عن مُوافقة الآخرين، أفقت بعد اربع وعشرين ساعة وانا اشعر أنني شفيت تماماً وهذا ما اذهل الاطباء، لقد اختفت الاورام، لم أعد مريضة، لقد تغلبت على خوفي من الموت.. من السرطان.. من العلاج، وقد أثبت لي هذا أن الخوف هو الذي كان يدمرني، أصبح لدي وجهة نظر في الحياة، يشاركني فيها القليل فقط من الناس، لم أعد اخاف من المرض، الشيخوخة، الموت، خسارة المال، أو أي شيء، عندما لا يحمل الموت أي رعب، لا يعود هناك شيء يُخيف، لأن الموت كان يُعتبر أسوأ احتمال يُخشى منه، إذا لم يقلقك الأسوأ، ماذا يتبقى.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري