كتاب وأراء

أميركا والاحتجاجات الإيرانية

بعد حوالي أسبوعين من المظاهرات التي اجتاحت بعض المدن الإيرانية، استطاع النظام السياسي، وعبر مظاهرات مؤيدة، السيطرة على المشهد السياسي. خلال هذين الأسبوعين حاولت إدارة الرئيس الاميركي ترامب ركوب موجة التظاهرات بشكل جلي واضح. فالرئيس دونالد ترامب وعبر عدد من تغريداته لم يخف تعاطفه مع المتظاهرين وتأييده لحركة الاحتجاجات، معتبرً أن ما كان يجري في إيران إنما رد فعل طبيعي على ما سمّاه تجاهل النظام السياسي في إيران لما يريده الإيرانيون في الداخل ويركز على ويستثمر في الخارج.
وقد وصلت هذه التغريدات حد التحريض على استمرار هذه المظاهرات، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لن تتردد في دعم استمرارها.
لم تكتف إدارة ترامب بتغريدات الرئيس، فالناطقة باسم البيت الأبيض أعادت ما كان يذكره الرئيس ترامب من تأييد بلغة مختلفة، ووصل الأمر إلى مجلس الأمن من خلال دعوة سفيرة الولايات المتحدة نكي هايلي إلى عقد جلسة في مجلس الأمن لمناقشة ما يحدث في إيران والدعوة لعقد اجتماع مجلس حقوق الانسان لذات السبب. ومع أن اجتماع مجلس الأمن جاء على عكس ما أرادته الولايات المتحدة، وأظهر واشنطن للمرة الثانية بعد مناقشة قرارها بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال في الجمعية العامة، معزولة، فأعضاء مجلس الأمن أظهروا قدراً واضحاً من رفض ما ذهبت اليه واشنطن في تصويرها لما كان يحدث في إيران، بل وذهب البعض إلى القول بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران، واعتبار الاتفاق النووي إنجازا لا يجوز بأي وجه تهديده.
بالنظر إلى مسير العلاقات بين واشنطن وطهران، فإن المواقف الاميركية مما يحدث في إيران ليست جديدة، فمنذ العام 1952 وواشنطن تفرض نفسها على المشهد السياسي الإيراني حين أجبر شاه إيران على التخلص من رئيس الوزراء محمد مصدق. ولم تتوقف واشنطن حتى بعد الثورة الإسلامية، فالتصريحات حول ما يحدث في الداخل الإيراني كانت جزءا أساسياً من الحدث الإيراني باستثناء وحيد وهو الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الاميركي السابق باراك أوباما. وقد كانت تلك التدخلات في المشهد السياسي الإيراني ما بعد الثورة الإسلامية تأتي بنتائج عكسية سلبية على المخالفين في الداخل لنظام الجمهورية الإسلامية.
لقد ساهم التدخل الاميركي في مساعدة النظام السياسي الإيراني على شيطنة الحركة الإصلاحية في رئاسة الرئيس محمد خاتمي 1997-2005، حيث تم توظيف التصريحات الاميركية المتعاطفة مع مطالب الإصلاحيين لوصف الحركة الإصلاحية بأنها مع معسكر أعداء الجمهورية الإسلامية، وبدأ النظام تجفيف منابعها بشكل تدريجي مروراً برئاسة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي استكمل تجفيف منابع الحركة الإصلاحية وأجهز عليها. هذا التوظيف للعلاقة مع أميركا تم استخدامه مع أي معارضة حتى ولو كانت فردية للجمهورية الإسلامية. كل هذا يدفع للقول إن المواقف والتصريحات الاميركية كان لها آثار سلبية على أي عملية اصلاح داخلية في إيران، وأنها في المحصلة تؤدي إلى تقوية المعسكر المحافظ في النظام بحيث يصبح أكثر محافظة وتشككاً نحو من يعتقد أن واشنطن تدافع عنه أو أنه قريب لها.
لم يكن كل ذلك بعيداً عن مواقف إدارة دونالد ترامب، لكن الجديد هو أنه لا تتوافر أي مصداقية لإدارة ترامب في إيران لا سيما بعد قراره منع سفر الإيرانيين للولايات المتحدة، كما لعبت مواقفه من الاتفاق النووي- الذي يرى فيها كثير من الإيرانيين فرصة لرفع العقوبات- دوراً في انعدام مصداقيته. من هنا يبدو أن كل ما فعلته واشنطن لم يستفد منه الا النظام السياسي لوصف المتظاهرين بعملاء الخارج كخطوة لنزع أي شرعية عن حركة الاحتجاج ومطالباتها تمهيداً لوضع نهاية لها.
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري