كتاب وأراء

كتاب النار والغضب .. هل هذا هو ترامب؟

ظهر هذا الأسبوع كتاب «النار والغضب» للصحفي الأميركي مايكل وولف الذي أثار ومازال ضجة عالمية غير عادية بتناوله ما يحدث داخل البيت الأبيض بين الرئيس ترامب وفريقه من مستشارين ووزراء وعاملين في الحكومة وكذلك عن علاقة ترامب بمستشاريه وأهل بيته وأصدقائه. والغريب ان الكتاب الذي ما هو الا تسريبات خاصة وفى أحيان كثيرة غير قانونية من العاملين مع وحول ترامب قد تم تسريبه نفسه بشكل غير قانوني عبر الانترنت في نفس يوم صدوره ليصبح متاحا للقراءة مجانا من قبل مئات الملايين حول العالم.
والكاتب الذي يدعى انه حاول أن يكون «ذبابة على الحائط في البيت الابيض» والذي قال انه قام بمئات المقابلات في البيت الابيض ومع الرئيس نفسه (وهو ما ينكره ترامب) ومع أقرب المقربين له مثل «ستيف بانون» ممثل اليمين المتطرف الذي خدم كرئيس للعاملين في البيت الابيض قبل أن يستقيل بعد مواجهة بينه وبين بنت ترامب «افينكا» وزوجها «جيرد» والذي أطلق عليهما «بانون» لفظ «جيرانكا»، يحاول أن يرسم صورة لشخصية الرئيس الجديد ومن معه في البيت الابيض. وتأتى صورة الرئيس الجديد كشخص غير عاقل وغير متزن محاط بمجموعة من المهرجين الذين لا يدرون ماذا يفعلون.
والغريب في السرد الروائي الشيق في هذا الكتاب ان الرسالة الرئيسية هي «عدم اهلية القابع في البيت الابيض لقيادة أميركا فضلا عن قيادة العالم اجمع». بل ان معظم العاملين معه يدركون ذلك وينادونه بأقذع الالفاظ فيما بينهم. بل ان ابنته وزوجها يخططون من الآن ليوم يتم فيه ترشيح الابنة للفوز بمقعد الرئاسة. وفى احيان كثيرة يفرد الكاتب صفحات وصفحات لرؤية «ستيف بانون» للأحداث. والغريب ان «بانون» لم ينكر انه اعطى هذه التصريحات أو قام بهذه المقابلات مع انتقاده البالغ وصراحته الغير عادية والمحرجة لصديقه ترامب واهله والعاملين معه. وكالعادة تمت استثارة ترامب بسرعة خاصة حينما ذكر بانون ابنته وزوجها بالسوء. فلجأ ترامب إلى تغريدا ته المتواترة التي سب فيها صديق الامس واتهمه بالجنون والخبل وانه لا يدري ما يقول بعد ان رفده ترامب من منصبه في البيت الابيض.
مرة أخرى يستولي ترامب على حديث الناس في العالم من خلال هذا الكتاب الذي يهاجمه ويحاول ان ينال منه ومن الطريقة التي تدار بها أميركا. ولأنني لا اعرف ما إذا كانت هذه الحكايات والروايات والقصص التي تم سردها في الكتاب حقيقية في مجملها أو معظمها أو في جزء قليل منها ولكنني أعلم ان بها رسما عاما حقيقيا للشخصية الرئيسية (شخصية ترامب). ولذا أتوقع ان يستخدم ترامب هذه الفرقعات الإعلامية لمصلحته.
يجب ان نتذكر ان هذا في الحقيقة هو طبيعة عمل ترامب كمذيع وشخصية تليفزيونية. سيستغل ترامب تلك الموجة لمصلحته وسيمرر عدد من القرارات تحت غطاء هذه الفرقعة الإعلامية. أول هذه القرارات أول أمس كان قرار التوسع في البحث عن البترول والغاز في الاماكن التي كانت محمية طبيعية وتم الحفاظ عليها للأجيال القادمة بواسطة كل الرؤساء السابقين! مهاجمة صريحة للبيئة ما كان يمكن لترامب ان يفعلها دون مقاومة شديدة من الديمقراطيين والمدافعين عن البيئة. فها هو يفعلها تحت سمع وبصر الجميع المشغولون بكتاب النار والغضب. هو ايضا في نفس الاسبوع اتخذ قراره بوقف المساعدات والمعونة الأميركية عن باكستان! مرة أخرى قرار ليس من السهل تمريره دون غطاء الكتاب. أخيرا وبالأمس بدأ من خلال المدعى العام الخاص به عملية مناهضة ومقاومة تقنين المخدرات في الولايات التي قننتها.
وهكذا يرد ترامب عمليا ليقول لمنتقديه انه يعلم ما يقوم به وإذا كان هناك من يلقبه بالمهرج فهو مهرج يتحكم في جمهوره. هذا الرجل ليس بالسهل ويجب على خصومه ألا يستهينوا بقدرته على المراوغة والمقاومة.
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي