كتاب وأراء

كــثــيـــراً مــا نــقــرأ


• قرأت في الشريط المرافق للأخبار في إحدى الفضائيات «وصار الحل قوسين أو أدنى» وهذا خطأ، لأنهم حذفوا الكلمة الأولى من هذا القول الشائع «قاب» وكثيراً ما نقرأ في الكتب القديمة «قاب قوسين أو أدنى» وقد ورد هذا المصطلح مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة النجم «وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلـّى، فكان قابَ قوسين أو أدنى» ويقال: وَقِيبَ قوسَين، وَقِيدَ قوسين، وقادَ قوسين، وقدَى قوسين، كُلّ ذلك بمعنى: قَدْر قوسين، وقيل: إنَّ معنى قوله: فكانَ قاب قوسين أنهُ كانَ منهُ حيثُ الوِتْر من القوس. ولكل قوس قابان، وقال بعضهم في الآية الكريمة: أراد قابي قوس، فقلبه. القاب إذن القدْر، وقيل إن قاب تعني طول قوسين، كل هذا - وبأي صورة ورد - تعبير عن القرب الشديد.
• وللتعبير عن القرب أيضاً قد نقرأ «وكان أقرب من حبل الوريد» وقد ورد هذا التعبير في كتاب الـلـه الكريم مرة واحدة «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» (16 سورة ق). قال أهل اللغة: الوريد: عرق تحت اللسان، وقالوا: هو في العضُد فليق، وفي الذراع الأكحل، وفيما تفرق من ظهر الكف الأشاجع، وفي بطن الذراع الرواهش، ويقال إنها أربعة عروقٍ في الرأس، فمنها اثنان ينحدران قدّام الأذنين، ومنها الوريدان في العنق، وقالوا: الوريدان تحت الودَجين، والودجان عرقان غليظان عن يمين ثغرة النحر ويسارها (ثغرة النحر: الانخفاض في أعلى الصدر وأسفل العنق). وبالمناسبة نذكر حبل العاتق. وقيل: حبل العاتق الطَّرِيقة التي بين العنق ورأس الكتف.
وقيل في قوله عز وجل «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد»: الحبل هو الوريد فأضيف إِلى نفسه لاختلاف لفظ الاسمين، وقال الجوهري: حبل الوريد عرق في العنق وحبلُ الذراع في اليد. وفي المثل: هو على حَبْل ذراعك أَي في القرب منك.
• قلنا في الفقرة السابقة «لا يحيد قيد أنملة» وهذا قول شائع أيضاً، فما معناه؟ الأَنْمُلة: المَفْصِل الأَعلى الذي فيه الظفر من الإِصبع، والجمع أَنامِل وأَنمُلات، وهي رؤوس الأَصابع، وهو أَحد ما جمع جمعاً سالماً وجمع تكسير.
• ونقرأ أيضاً: وما الضير في هذا؟
لا يَضِيرُك أَي لا يَضُرُّك. قرأ بعضهم لا يَضِرْكم كَيْدهم شيئاً، يجعله من الضَّيرِ. وزعم الكسائي أنه سمع بعض أَهل العالية يقول: ما ينفعني ذلك ولا يَضُورُني، والضَّيرُ والضَّورُ واحد. وفي التنزيل العزيز: لا ضَيرَ انَّا إِلى ربنا مُنقلبون، معناه لا ضَرَّ. يقال: لا ضَيرَ ولا ضَوْرَ ولا ضَرَّ ولا ضَرَرَ ولا ضَارُورَةَ بمعنى واحد.
• وكثيراً ما نقرأ في الأعمال الأدبية «وكان هذا ديدَنُه في الحياة» ونفهم أنه كان مواظباً على هذا الأمر لا يحيد عنه قيد أنملة، فما معنى ديدَنه؟ ومن أين أتت؟ ليس لهذه الكلمة جذر واضح المعنى، بل يقال: الديدن: الدأب والعادة، ومثله الديدان، أنشد شاعر عربي:
ولا يَزال عندَهُمْ خَفَّانُهُ دَيْدانُهُمْ ذاك، وذا دَيْدانُه.
• سألني أحد الأصدقاء: هذه الفنانة المصرية، هل اسمها «يسرى» أم هو «يسرا»؟ قلت: كلاهما صحيح، ولست أهرب من الجواب على طريقة «يجوز الوجهان» فقد وردت الكلمتان في القرآن الكريم، مرجع اللغة ونبع الفصاحة والبلاغة، والكلمتان مشتقتان من الجذر «يسر». قال تعالى: سيجعل الـلـه بعد عُسر يُسراً (7 الطلاق) وقال سبحانه: فإن مع العُسر يُسراً، إن مع العُسر يسراً (5و6 الشرح) وقرأ ابن مسعود رضي الـلـه عنه الآيات متتابعة مع أنها من سورتين مختلفتين، ولذا قال صلى الـلـه عليه وسلم: «لن يغلب عُسرٌ يُسرين» قال علماء اللغة: إذا ذكرت نكرة، ثم أعدتها بنكرة مثلها، صارتا اثنتين، وإذا أعدتها معرفة فهي هي، وقد ذكرت الآية الكريمة «العسر» معرفة، وذكرت «اليسر» نكرة فصارا يُسْرين، وظل العسر واحداً.
اليُسْرُ اللِّينُ والانقياد، يكون ذلك للإِنسان والفرس، وفي الحديث الشريف: إِن هذا الدّين يُسْرٌ. اليُسْرُ ضدُّ العسر، أراد أنه سَهلٌ سَمْح قليل التشديد. وقال جلّ وعلا: فأما من أعطى واتقى، وصدّق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخِل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى (5 – 10 سورة الليل) والتيسير يكون في الخير والشر، قال اللغويون في قوله عـز وجل: «فسـنيـسـره لليسـرى» سـنُهـيِّـئُه للعَـوْد إِلى العـمل الصالح، وأما قوله «فسنيسره للعسرى» فقد يقول قائل: كيف كان نيسره للعسرى؟ وهل في العُسْرى تيسير؟ قالوا: هذا كقوله تعالى: «وبَشِّرِ الذين كفروا بعذاب أليم» فالبشارةُ في الأَصل الفرحُ فإِذا جمعت في كلامين أَحدهما خير والآخر شر جاز التيسير فيهما.
• ونقرأ أحيناً في سيَر بعض الكتاب أو المؤلفين أو الشعراء القدامى «وأقام في.... ردحاً من الزمن» فما معنى هذا؟ وقبل ذلك كيف نقرأ كلمة «ردح»؟ أولاً، هي بثلاث فتحات «رَدَحَاً» وتعني أقام طويلاً، فلا يجوز القول عمّن أقام شهوراً «أقام ردَحاً من الدهر» ويقرؤها كثيرون «رُدْحاً أو رَدْحاً» أما «الردح» (بفتح وسكون) فهو الوجع الخفيف، وهو أيضاً بسطك الشيء بالأرض حتى يستوي.
•قالت الشاعرة الجاهلية عشرقة المحاربية:
جريتُ مع العشاق في حلـْبة الهوى
فـفُـقـتُهمُ سَـبْقاً وجئت عـلى رِسْـلي
ومعنى البيت رائع، فهي تريد أن تصور لنا تفوقها في العشق على العشاق جميعاً فصورت الأمر وكأنها كانت وإياهم في سباق، فسبقتهم جميعاً مع أنها جاءت على مهلها. وتكمل في بيتين تاليين جميلين المعنى وتزيده تأكيداً:
فما لبِس العشاق من حُلل الهـوى
ولا خلعُـوا إلا الثـياب التي أبلـي
ولا شـربوا كأسـاً من الحب مُزّة
ولا حُـلـوة، إلا شـرابُهـمُ فـضلـي
هذه الأبيات الثلاثة تعدل ديواناً كاملاً من شعر الغزل، ومع ذلك لم يعطها مؤرخو الشعر ما تستحق من اهتمام، لكن هذا موضوع آخر، أما الآن فإننا نركز على كلمة «رِسْل» وقد نـقرؤها في كتب الأدب القديمة بصيغة الخطاب «على رسْـلِـك» أي على مهلـك. «الرِسْـل والرسلة»: الرفق والتؤدة.
• قال تعالى في سورة الأحزاب «فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حِداد» وهي المرة الوحيدة التي ورد فيها هذا التعبير في القرآن الكريم، ويتكرر هذا القول كثيراً في الأدب العربي القديم، فما معناه؟ السلـْق: هو الطبخ بالماء، وكل شيء طبخته بالماء بحتاً فقد سلقته، والبقول المسلوقة بالماء تسمى سلائق، وكذلك البيض يطبخ بقشره، وهذا معروف للجميع، ويقال للأمر الذي استعجل فيه عند العامة «سلق بيض»
والسلـْق: شدة الصوت. وقالت العرب: سلقه بالسوط، أي نزع جلده. وسكين «حديدة» من سكاكين حديدات وحِداد: بينة الحد. وقالوا: رجل حديد: يكون في القول والفهم والغضب، ألا نقول: ذاكرة حديد؟ والحدّة: ما يعتري الإنسان من النزق والغضب. وهكذا يكون المعنى العام: آذوكم بصخبهم بألسنة حادة غاضبة.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين