كتاب وأراء

هذه هي الحقيقة !

شاهدت قبل فترة ليست بالقصيرة برنامجاً شيقاً على قناة ديسكفري العلمية يعرض لكيفية صناعة أجنحة طائرات اليوروفايتر الحربية المعروفة بقدراتها الاستثنائية على المناورة والتحليق بسرعات عالية جدا، ودهشت حقا لمعرفة ان الكثير ممن يعملون على تطوير قدرات هذه الطائرة بشكل مستمر وتحسين أدائها هم من الشباب المهندسين والتقنيين الذين لم تتجاوز أعمار كثير منهم الثلاثين والذين يقع على عاتقهم تطوير بعض أهم البرامج العسكرية وأكثرها تعقيدا.
في الحقيقة لا يجد المرء إلا أن يشعر بمزيج من الإعجاب والانبهار أمام المنظومة التعليمية والتربوية وما يتبعها من اهتمام بالغ بالبحث العلمي، والتي أتاحت لشباب يافعين ان يكونوا جزءا أساسيا من عملية تطوير انظمة عسكرية اساسية، فالمنشآت الصناعية بشقيها المدني والعسكري تأخذ الأبحاث التي يقوم بها هؤلاء على محمل الجد، وتسعى إلى تبني وتطبيق ما هو رائد منها، ولذلك يجد الشباب هناك أنفسهم في مواقع قيادية في وقت قياسي، وهو أمر يشرح دون الحاجة إلى كثير من الكلام أسباب التطور العلمي الهائل والمتسارع في الغرب في جميع المجالات، حيث يساهم طلاب الجامعات والمعاهد العليا في تطوير جميع أوجه الحياة في بلدانهم، فيما لا يجد الكثير من شبابنا وسيلة للتعبير عن انفسهم سوى الالتحاق بجماعات التكفير المتطرفة، حيث لا أمل في الحياة سوى بقتل الآخر المخالف أو الموت
في الدول الغربية عموما، ثمة أندية ومراكز تعنى باهتمامات الشباب في جميع المجالات وتساعدهم على تطوير أفكارهم بل وتدعمهم ماديا اذا ما تبين انهم قادرون على إحداث اكتشاف جديد هنا أو اختراق علمي هناك.
إن تطور الشعوب وارتقاء مخزونها المعرفي وبالتالي ثقافتها الاجتماعية لا يأتي مصادفة بل هو حصيلة عقود طويلة من العمل الجاد والتطوير المستمر والتعلم من الاخطاء لتجاوزها، ولذلك لم يكن مستغربا مثلا أن تغيب الجامعات العربية المنتشرة في 21 دولة أو تتواجد بشكل بشكل خجول في قائمة افضل 500 جامعة في العالم، فيما كان بديهيا ان تحتل 3 من جامعات إسرائيل الثماني ترتيبا متقدما في تلك القائمة التي تقول كل شيء عن مدى التردي السياسي والاجتماعي والصناعي الذي وصلنا إليه.
لو اجتمع كل العرب اليوم ليصنعوا جناح طائرة اليوروفايتر لضاعت سنوات وهم منشغلون في إنشاء لجان لصناعته ولجان اخرى لحل المشاكل والخلافات التي أوجدتها اللجان الأولى، وسيموت المشروع في نهاية المطاف بسبب الفساد والمحسوبية.
نحن مجموعة بشرية ليست قادرة على إنتاج شيء مفيد، هذه هي الحقيقة التي يقولها جناح اليوروفايتر وهو يحلق بالطائرة على ارتفاع 55 ألف قدم بسرعة 2 ماخ!
بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي