كتاب وأراء

أوروبا والصين.. وبداية عزلة الولايات المتحدة

يخطو الرئيس الأميركي دونالد ترامب كل يوم خطوة في طريق عزلة الولايات المتحدة عن أهم حلفائها الأوروبيين الذين يشتركون مع الأميركان في الثقافة والدين والهوية والأهداف والرؤية والتاريخ المشترك في أغلب الأحيان، وقد كان قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخروج الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ ناقوس الخطر الأساسي الذي دفع المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل أن تعلن صراحة ضرورة اعتماد أوروبا على نفسها، لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطا خطوة أقوى وأسرع حينما بدأ زيارة للصين يوم الاثنين الماضي مدتها ثلاثة أيام ليكون أول رئيس أوروبي يزور الصين بعد تعزيز الرئيس الصيني سلطاته خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الذي عقد في أكتوبر الماضي، وقد بدأ ماكرون زيارته للصين من مدينة شيان التي يبدأ منها طريق الحرير الذي يربط الصين برا وبحرا بجنوب شرق آسيا ووسطها وباكستان والشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا حيث يتضمن هذا المشروع العملاق بناء طرق وموانئ وسكك حديد ومناطق صناعية في 65 دولة يسكنها 60 % من عدد سكان العالم وبتكلفة تبلغ ألف مليار دولار حيث تعزز الصين نفوذها الاقتصادي ظاهريا لكن معه السياسي وربما العسكري بعدما أقامت أول قاعدة عسكرية لها خارج الصين في جيبوتي، ويبدو أن أوروبا قد انتبهت لهذه الخطوة فتحولت من نقد الصين الدائم حيث كانت تسير على خطى الولايات المتحدة إلى ا لتعاون والشراكة معها وهذا يعني أن موازين القوى والمصالح في العالم تتغير بشكل لافت، وقد كان هذا واضحا في خطاب ماكرون الذي صب المديح للصين على التزامها باتفاق باريس للمناخ حتى أنه قال «الصين وفت بوعدها، أثبتم حقيقة وعيكم وحسكم الهائل بالمسؤولية، من كان يتصور قبل بضع سنوات أن الصين ستظهر قوة تجعلها في طليعة العالم في هذا المجال؟».
هذا المديح يأتي في الوقت لاتزال فيه الصين هي الدولة الأولى في العالم من حيث انبعاث الغازات المسببة لارتفاع حرارة الأرض، وفي نقلة مباشرة إلى التغير في النظرة الأوروبية للصين قال ماكرون «فرنسا تمر بتحول عميق، ومعها تحتاج أوروبا لبناء تعاون متوازن مع الصين».. هذا التحول الهائل في نسج علاقات أوروبية مع الصين يأتي من فرنسا التي تعتبر مع ألمانيا القاطرة الرئيسية التي تجر الاتحاد الأوروبي كله بدوله السبع والعشرين، وهنا تحدث لم يتحدث ماكرون عن التحول الهائل في فرنسا فقط وإنما تحدث عن أوروبا أيضا وهنا أؤكد على أن هذا لا يعني استبدال الولايات المتحدة بالصين، ولكن عدم التزام السياسة الأميركية في التعامل مع الصين مع فتح مجالات للتعاون الاقتصادي والسياسي وهذا كان واضحا من خلال اصطحاب ماكرون وفدا يمثل أكبر 50 شركة صناعية واقتصادية ومالية في فرنسا ونظرا لنفوذ الصين في إفريقيا التي تعتبر الحديقة الخلفية لفرنسا فقد تضمنت الاتفاقيات دعما لدول الساحل الخمس وتطوير الطاقات المتجددة في إفريقيا علاوة على مكافحة الإرهاب والبحث عن حلول لأزمة كوريا الشمالية.
تضعضع الولايات المتحدة وتراجعها سوف يغير كثيرا من خرائط العالم السياسية والاقتصادية وربما الجغرافية والعسكرية وخلال عقد واحد سيتشكل عالم جديد.
بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور