كتاب وأراء

فلاح مع وقف التنفيذ

رغم أن الزراعة تعتبر من أقدم المناشط الإنسانية المهمة التي يمارسها الإنسان لتوفير الغذاء والكساء والمأوى، إلا أن الفلاحة مهنة طاردة للمشتغلين بها الذين يفضلون العمل بالقطاع الصناعي، فيهجرون حقولهم وقراهم في عالمنا العربي، ويولون وجوههم شطر مراكز الصناعة والتجارة والمناطق الحضرية، وكان ذلك من أسوأ التوزيعات الديموغرافية التي تعاني منها مجتمعات عربية حتى اليوم
ودرج كثير من الفلاحين في أرياف عربية عدة على إرسال أبنائهم ليتلقوا تعليمهم في المدن الزاهرة، حتى لا يشتغل هؤلاء الأبناء بحرفة الآباء ويصيروا زراعاً: يحرثون الأرض، ويزرعونها ويروونها بعرق كدهم، فيفضلون لأبنائهم الغربة والاغتراب على الاشتغال بحرفة عدوها سبباً للشقاء والتعب والإرهاق.
وكنت أظن أن ظاهرة غريبة سبق أن شهدتها جامعات عربية، وهي احتلال كليات الزراعة ذيلَ قائمة اهتمامات الطلاب ستبقى لأزمنة طويلة قادمة، ولكني لاحظت مؤخراً ردة إلى الاشتغال بالزراعة، وإعادة الاعتبار لهذا المنشط الإنساني العتيق والجميل الذي لا غنى عنه.
وشيء ما في الزراعة ظل يستهويني منذ الطفولة، وكنت أعطي أذني منصتاً بتمعن للراحل محمد عبدالوهاب، حينما كان يغني رائعته: «محلاها عيشة الفلاح.. متطمئن قلبه مرتاح يتمرغ.. يتمرغ على أرض براح»، ولكم حلمت بامتلاك قطعة أرض بعرض الصحراء لتخضيرها وزراعتها، وقضاء ما تبقى من العمر بين الكتابة والزراعة، غير أن الحلم كان في واد، والواقع الذي اضطر إليه المرء استلبنا إلى واد آخر، فاكتفيت بزراعة بعض نباتات الزينة في شرفة منزلنا المتواضع، وظللت فلاحاً مع وقف التنفيذ
الإسرائيليون حينما استقر لهم احتلال فلسطين والسطو على أرضها، شجعوا على زراعة الأرض، بل وبرعوا في إنتاج ما لم يكن تنتجه هذه الأرض العريقة، والغاية من ذلك لم تكن اقتصادية محضة لإنتاج ما يحتاجونه من غذاء، ولكن لنسج علاقة من العدم بين إنسانهم والأرض التي لم يكونوا ملاكها أو عارفين بما تجود زراعته بها من عدمه، إذ من مزايا الزراعة أنها تعمق الانتماء، وتوشج علاقة ساحرة بين الإنسان والمكان، ولهذا بمقابل توسع الإسرائيليين بالزراعة كانوا يحرصون على سلب الفلسطينيين أشجار زيتونهم وكرومهم وموالحهم، وتعمد تبوير أراضٍ الفلسطينيين واجتثاث واعطاب محاصيلها، لأن ضرب الزراعة الفلسطينية هي من أمكر الحيل لفض العلاقة التاريخية بين الإنسان والأرض ليتسنى التملك والاستيطان وقضم الأرض وتغيير هويتها.
ولهذا صار لا يروق للإسرائيليين حالياً، هذا النمو الملحوظ للفلسطينيين في مجال الزراعة، حتى أنهم نجحوا بمهارة فائقة في زراعة فاكهة الأناناس الاستوائية والمانجو والافوكادو والكيوي وخضراوات أخرى عديدة لم يكن الفلسطينيون يزرعونها من قبل، ما يعني انهم يتشبثوا بأرضهم ويعمقون بها جذورهم، بل ويعني ذلك أيضا أن علوم الزراعة وبحوثها العلمية المثمرة، لم تعد حكرا على المتقدمين في العالم، بل إن شعوباً تصنع لنفسها مستقبلاً مختلفاً، من خلال قهر معظم أو كل ظروف الطبيعة من اجل إنتاج الغذاء وزراعة الأرض.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي