كتاب وأراء

الفن أكبـر من هذه السفاسف

أنا من جيل تعلم نشيد «بلاد العرب أوطاني» قبل أن يتعلم النشيد الوطني.
أنا من جيل حفظ «أخي جاوز الظالمون المدى» وكرر «الـلـه أكبر فوق كيد المعتدي» وعاش طويلاً مع النشيد الرائع «الوطن الأكبر».
أنا من جيل ترنم طويلاً بأغنية «يا قدس.. يا حبيبة السماء» ويذكر من شبابه «جسر العودة» ثم رائعة الرحبانيين وفيروز «زهرة المدائن» التي عجزت القرائح العربية عن أن تأتي بمثلها حتى اليوم، بعد مرور نحو نصف قرن على تقديمها. ولم يغفل عن «المارد العربي» و«أحلف بسماها وبترابها».
غنينا للوطن.. للأرض.. للعروبة.. للشعب.. لجرحنا النازف الأبدي في فلسطين.. للجزائر يوم قاتلت حتى تحررت «قسماً بالنازلات الماحقات».. ألفنا الغناء للأوطان.
قال لي منصور الرحباني (وهو شاعر الفصحى بين الأخوين): نحن نغني للأوطان، ونرفض الغناء للأشخاص، فالأشخاص زائلون، والأوطان باقية. وهكذا غنوا للبنان وبيروت عشرات الأغاني.. كتب منصور ولحن الأخوان وغنت فيروز لعمّان (وترمز إلى الأردن) وللكويت المدينة والدولة، ولبغداد العراق والحضارة، ولأبو ظبي، ولمصر والاسكندرية، ولمكة، وخصوا دمشق بقصائد كثيرة خالدة من شعر سعيد عقل، ولم يغنوا لأحد من الزعماء، حتى عندما جاؤوا إلى الدوحة لتقديم مسرحية «الربيع السابع» بطولة ملحم بركات ورونزى عام 1982 بعد انفصال فيروز عنهما، غنوا للدوحة وقطر قصيدة من أجمل القصائد شعراً ولحناً وغناء «قصيدة قطر»:
إن تُسأل العلياءُ عن وطنٍ
تزهو به، دلـّت على قطرِ
أنا من جيل تغنى مع أم كثوم وقصيدة «بغداد» شعر محمود حسن إسماعيل وألحان رياض السنباطي، وصارت مقدمتها الموسيقية زمناً طويلاً شارة الأخبار في إذاعة بغداد، ولعلها ما زالت، مع أنها تعود إلى عام 1958.
أنا أطالب الشاعر أن يكتب، والملحن أن يلحن، والمغني أن يغني، للوطن.. للأرض.. للشعب.. للأماني والطموحات والأمجاد.. للنهضة.. وهذا واجبهم، ولست ضد أن يكتبوا ويلحنوا للقائد إذا كان محبوباً من شعبه، ويعبر عن تطلعاته، ويسير به في طريق العزة والكرامة والتقدم، ولكن دون إسفاف وابتذال. يأبى الشعر والموسيقى الإسفاف والابتذال. الشعر والموسيقى كالرياضة تجمع ولا تفرق، وتوحد الشعوب حول الجمال، أما عندما ينحدران إلى الشتائم والبذاءات، فإنهما يفقدان كل قيمة، إلا إذا أكبرنا أغنية «شعبولا» واعتبرناها مثلاً يحتذى: بحب عمرو موسى.. وبكره إيهود باراك.. وهيييييه.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين