كتاب وأراء

فوضى المستقبل

لقد دمروا منزلي ووجودي ثلاث مرات، وفصلوني من الماضي وكل ما كان، ثم قذفوا بي بغتة إلى الفراغ...حيث لا أعرف، ولكني لا أتأسف على ذلك، فالإنسان الشريد يغدو حراً بمعنى جديد...هذه العبارة وردت في آخر كتب المؤرخ والأديب النمساوي «ستيفان تسايفج» والذي نشر بعد موته، أو بالأحرى بعد انتحاره احتجاجاً على انهيار السلام العالمي وويلات الحرب العالمية الثانية، وقبل وفاته بيوم جلس يكتب مئات الرسائل لأصدقائه ومحبيه يشرح لهم سبب اقدامه على الرحيل:-«أرغمت على مغادرة بلدي، وأحرقت كتبي التي جعلت ملايين القراء أصدقاء لي، وهكذا فأنا لا أنتمي إلى أي بلاد، وحيثما حللت فأنا غريب، أو ضيف في أحسن الأحوال، فأوروبا التي اختارها قلبي موطناً قد أقدمت على الانتحار حين انقسمت مرة أخرى إلى جبهتين يحارب فيهما الأخ أخاه، وشهدت رغماً عني أفظع هزيمة للعقل، وأشرس انتصار للوحشية في كل العصور «وفي كتابه الأخير عالم الأمس يتحدث «زفايج» بفخر عن مدينته الجميلة فيينا فيقول:-كان العيش فيها طيباُ ويسيراً، وكان الألمان في الشمال ينظرون بشيء من الانزعاج والازدراء إلى جيرانهم على الدانوب،فبدلاً من أن يكون هؤلاء الجيران ماهرين ويقيمون نظاماً صارماً، انغمسوا في متع الحياة، فأكلوا الطيبات، وسعدوا بالأعياد والمناسبات، اضافة إلى اهتمامهم بالموسيقى والادب، وبدلاً من المهارة الألمانية التي عكرت صفو حياة الشعوب الأخرى، ومن الاندفاع السريع والرغبة الجامحة في سبق الآخرين، كان المرء في «فيينا» يحب التبسط في الحديث، ويرعى الصداقات المنسجمة، ويجيز بكل غبطة وتساهل أن ينال كل واحد نصيبه بلا حسد، وكان شعارنا«عش ودع غيرك يعيش» وهذا الشعار ما زال يبدو لي اليوم أكثر إنسانية من الواجبات المطلقة، وهو يؤكد نفسه عند كل الطبقات، لقد تعايش الفقراء والاغنياء...والتشيك والألمان....واليهود والمسيحيين متسالمين على الرغم من الاحتكاك بين الحين والآخر، وحتى الحركات السياسية والاجتماعية كانت متحررة من الكراهية الرهيبة التي سرت في عصرنا كبقية سامة من بقايا الحرب العالمية الأولى، فالكراهية بين البلدان والأمم وموائد الطعام لم تكن قد أخذت بعد تثب يومياُ من الصحف، وتُوقع الشقاق بين الشعوب والأمم، وتقوي مشاعر القطيع عند العوام إلى هذا الحد المقزز في الحياة العامة، كما يحدث هذه الأيام، والحرية الشخصية التي لم تعد موجودة الآن كانت من المسلمات، وما من أحد كان يزدري التسامح كما يُزدرى اليوم باعتباره ضعفاً وليونة، بل كان يمدحه باعتباره قوة أخلاقية» وعلى الرغم من أن هذا الأديب كان ينتمي لعائلة يهودية فاحشة الثراء الا أنه وصف نفسه بأنه يهودي بالصدفة، وقضى حياته كلها تقريبا في القراءة والكتابة ونشر المحبة للناس جميعاُ دون تمييز، وكان يؤمن ايمانا مطلقا أن للكلمة الصادقة قيمة ورسالة وقوة....وإذا فقدت الكلمات قيمتها وقوتها لن يكون هناك وجود، قبل وفاته بثلاث سنوات منحته بريطانيا الجنسية لكنها منعته من التحدث بالالمانية لغته الأم، وهذا ما سبب له ألما لا يضاهيه ألم، وضاعف من شعوره بالغربة، فحين تُحرم من لغتك وُتجرم بسببها لا يعود هناك سوى الصمت...والموت.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري