كتاب وأراء

الخرطوم والقاهرة .. منعطف حاد

- 1 -
كُلُّ المُقدِّمات السياسية والدبلوماسية والعسكرية، تُرشِّحُ العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، إلى مُواجهةٍ صادمة، إذا لم تكن هنالك معالجاتٌ سريعةٌ في أعلى المستويات تتعامل مع جذر الأزمة لا أعراضها. قبل أيام، نَشَرَ موقع الجزيرة نت، خبراً أثار لغطاً إعلامياً واسعاً في الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي.
الموقع قال، إن مصادره في إثيوبيا، كشفت عن وصول تعزيزات عسكرية من مصر، تشمل أسلحة حديثة وآليات نقْلٍ عسكرية، وسيارات دفع رباعي، إلى قاعدة «ساوا» العسكرية في أريتريا.
وقالت مصادر الجزيرة، إن اجتماعاً عُقِدَ في القاهرة، وضمَّ عدداً من القيادات العسكرية والأمنية من مصر والإمارات وأريتريا، والمعارضة السودانية ممثلة في بعض حركات دارفور، وحركات شرق السودان، للتخطيط لعمل عسكري في جبهة السودان الشرقية.
ما عزَّز صحة تلك المعلومات، إعلان الرئيس السوداني عمر حسن البشير، حالة الطوارئ في عدد من الولايات السودانية، من بينها ولاية كسلا بشرق السودان المُحاذية لإقليم القاش بركا الأريتري.

- 2 -

قبل فترة، كثُر الحديثُ عن بروز علاقة جديدة بين مصر وحكومة جنوب السودان وأوغندا وأريتريا، بغرض عقد تحالفٍ مُضادٍّ للسودان وإثيوبيا.
تحرُّكات القاهرة لتشكيل تحالفٍ جديدٍ مُضادٍّ للخرطوم وأديس أبابا، تنطلق من منصَّة الرفض المصري لمشروع سد النهضة الإثيوبي، الذي أوشك على أن يصبح واقعاً ثقيلاً على متخذي القرار في الدولة المصرية. الآن استطاعت إثيوبيا إنجاز 70 % من مشروع السد.
حينما سُئِلَ الرئيس عمر البشير، قبْل ثلاثة أعوام، عن العلاقة بين البلدين، قال إنها محكومةٌ بقانون «شعرة معاوية».
تلك الإجابة أعطَتْ مُؤشِّراً مُبكِّراً إلى وهن العلاقة السياسية، ومُنذ ذلك التاريخ إلى اليوم، ظلَّت العلاقة في توتُّر متصاعد، يبدو أنه يمرُّ الآن بأصعب منعرجاته الحادة.

- 3 -

ما إن أعلنت الخرطوم استدعاء سفيرها بالقاهرة، السفير عبد المحمود عبد الحليم، بغرض التشاور كما قال بذلك الناطق الرسمي باسم الخارجية السفير قريب الله؛ حتى اعتبر كثيرون أنها مرحلةٌ من أصعب مراحل تدهور العلاقات بين الخرطوم والقاهرة، على خلفية ما وُصِفَ بالاستفزازات المصرية للسودان، عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الخرطوم، وما عُقِدَ من اتفاقيات.
القناعةُ التي أصبحت راسخةً في السودان على المستويين الرسمي والشعبي، أن بعض الدوائر في مصر الرسمية، تُريد السودان دولة ضعيفة اقتصادياً ومضطربةً سياسياً، ومُختلَّةَ التوازن.
كل ما يُقدِّم السودان ويسهم في استقراره وازدهاره، يُقلق دوائر مصرية، تعوَّدت أن تتعامل مع السودان كتابعٍ لا يملك من أمره شيئاً.

- 4 -

عوامل الحساسيَّة بين الخرطوم والقاهرة في الفترة الأخيرة معروفة للجميع، أهمُّها كان قبل الإطاحة بحكومة الإخوان، وعزل الرئيس محمد مُرسي، وهي قضيَّة سد النهضة الإثيوبي، تلك القضية التي تُعتبر «بُعبُعاً» مُخيفاً للقاهرة.

- 5 -

ما يحدث من تصعيدٍ غير مسبوق في الفترة الأخيرة بين السودان ومصر، ليس مصدره النزاع على حلايب؛ فالقضية قديمة وهي لا تُمثِّل أكثر من تيرمومتر لقياس مستوى العلاقة صعوداً وهبوطاً، فإذا غضبت مصر من زيارة أردوغان صلَّى وزير الأوقاف في حلايب بلا وضوء.
مصدر وبؤرة الأزمة المتصاعدة، هو موقف السودان المُؤيِّد لقيام سد النهضة الإثيوبي.
لأول مرَّةٍ في تاريخ العلاقة بين البلدين يتَّخذ السودان موقفاً في ملف المياه، مُستقلاً عن الموقف المصري.
السودان اختار تبنِّي هذا الموقف بناءً على مصلحته الوطنية، التي لا تتعارض مع المصالح المصرية.
الذهنية المصرية تُريد للسودان أن يظل تابعاً لها في ملفِّ المياه، لا يملك إرادةً ذاتيةً في تحديد مواقف غير مُقترنة بالموقف المصري.

-أخيراً-

إذا كان خيارُ القاهرة الأخير استخدام العمل العسكري والضغط به لإيقاف مشروع سد النهضة؛ فهي بذلك ستكون أسهمت في تعقيد أوضاعها أكثر؛ فما لم تُنجِزْه الدبلوماسية والسياسة، لن تُنجزَه التحرُّشات العسكرية.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال