كتاب وأراء

أقل مرتبة

يذكر «ويل ديورانت» في كتابه الرائع «قصة الفلسفة» أن الفيلسوف اليوناني سقراط الذي يلقب بأنه أكثر الرجال حكمة في العالم القديم قال أثناء دفاعه عن نفسه أمام المحكمة التي حكمت بإعدامه:- «أحب أن تعرفوا أنكم إذا قتلتم رجلا مثلي،أسأتم إلى أنفسكم أكثر مما تسيئون إلي،لأنكم إن قتلتموني لن يسهل عليكم أن تجدوا رجلا آخر مثلي، فأنا إذا صح التعبير أشبه ما أكون بذبابة الخيل، التي خلقها الله لتساعد الحصان على الحركة، فالحصان على ضخامة جسمه بطيء الحركة بالنسبة للذبابة، ويحتاج إلى من يستفزه ويجبره على تمرين عضلاته ويبث فيه الحياة، لذا أقول لكم أنا الذبابة والدولة هي الحصان»، ولقد كان سقراط موفقا نوعا ما في هذا التشبيه، فالذبابة مخلوق ضعيف وصغير وضئيل لكنه قادر على إزعاج من يفوقونه حجما وقدرة على التفكير والبطش، وعلى الرغم من أن الذباب يعتبر من الآفات الضارة بسبب قدرته الكبيرة على نقل الأمراض، وحمله أنواعا كثيرة وخطيرة من الجراثيم التي ينقلها للبشر مثل مرض النوم والملاريا، إلا انه في بعض الأحيان يكون نافعا للبيئة والانسان، وذلك لأن منه من ينقل رحيق الازهار بنفس طريقة النحل، ومنه من يتغذى على الحشرات الضارة، وبعضه مثل ذباب الفاكهة يؤدي دورا جوهريا في الكثير من التجارب المخبرية المختصة بعلم الوراثة،وجاء ذكره في القرآن الكريم في سورة الحج،قال الله تعالى:- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ». وأثبت العلماء بما لا يقبل الشك أن الذباب يحول المادة التي يتناولها إلى مادة اخرى مغايرة لها، لذا من الصعب استنفاد ما سلبته بشكله الأصلي مهما حاولنا، الخلاصة ان توصيف المرتزقة من أصحاب الحسابات والاسماء الوهمية التي تقبض أجرا لتشوية قضية ما أو فكرة ما أو شخص ما، في العالم الافتراضي بالذباب الالكتروني فيه إساءة للذباب، فالذباب يحمل في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، ولعل الصفة الوحيدة المشتركة بينه وبين الذباب هي التواجد في أماكن غير نظيفة.. واخيرا كما قال أحدهم «ليس اسوأ من ان تكون خائناً سوى أن تؤيد خيانة غيرك، وتروج لها، فقد يكون في شخصية الخائن بعض الشجاعة في احترافه للخيانة، أما الذي يصفق للخائن من بعيد، فهو يشبه الراقص على حبل مشدود، فلا هو ينعم براحة المواطن السليم، ولا هو يتميز بوقاحة بل وجرأة المواطن السقيم، وكذلك ليس أسوأ من مهادتنك للعدو، سوى أن تشيد بعظمة هذا العدو، أو ان تردد عجزك عن محاربته، فقد يغفر لك القدر ضعفك إلى أن تقوى، ولكن لن يغفر لك الناس أنك مستضعف من داخل نفسك، ومستسلم بمحض إراداتك، وانك أمام عدوك لست قويا فيخشاك..أو ضعيفا فيرحمك.. ولهذه الأسباب..أرجوكم لا تشبهوا الجبناء والمرتزقة بالذباب...أرجوكم...لا تهينوا الذباب بهذا التشبيه».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري