كتاب وأراء

القرآن للدين والدنيا


كان المفكر الراحل عبد الرازق نوفل أول من تفرغ للربط بين القوانين والحقائق العلمية وبين الآيات الكونية والعلمية في القرآن، وبدأ بكتابه الشهير (الله والعلم الحديث) الذي صدر في أول رمضان عام 1376 الموافق أول ابريل عام 1957، وبعد ذلك شاع هذا المنهج، وعندما كان يعد لكتابه الثاني وموضوعه (الإسلام دين ودنيا) عن دعوة الإسلام إلى العمل للدنيا والآخرة، فبدأ بإحصاء عدد مرات ذكر الدنيا في القرآن فوجد أنها تكررت 115 مرة، وأن عدد مرات ذكر الآخرة تكرر بنفس العدد 115 مرة على الرغم من أن الآيات التي ورد فيها لفظ الدنيا ورد فيها لفظ الآخرة، ولم يكن ممكنا أن يكون ذلك مصادفة.
وفي كتابه الثالث عن عالم الملائكة في القرآن وجد أن لفظ الملائكة تكرر في القرآن 68 مرة وأن لفظ الشيطان تكرر 68أيضا وأن عدد ما ورد في القرآن من ألفاظ الملائكة مثل ملك وملكا وملكين وملائكة تكرر 88 مرة ووجد أن هذا هو نفس العدد الذي تكرر فيه مختلف صور لفظ الشيطان مثل الشيطان، وشيطانا، وشياطينهم وأن هذا هو عدد المرات التي ورد فيها ذكر الملائكة في القرآن، فتفرغ لدراسة الإعجاز العددي في القرآن وأصدر ثلاثة أجزاء في عامي 1975 و1976 وكان ذلك فتحا جديدا خاصة أنه لم يكن شائعا استخدم الحاسوب في ذلك الوقت.
وكانت الدقة في بناء السور والألفاظ تصديقا لقوله الله تعالى «قل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» (الإسراء-88) وتدقيقا لقوله تعالى «أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وأدعو من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين» (هو-13) وبعد ذك فإن الله تحدى المنكرين أن يأتوا بسورة واحدة كما في الآية 23 و24 من سورة البقرة.
وقفت مشيئة الله أن يكشف لكل حقبة من الزمان عن جانب من أسرار كتابه الكريم، وقد أفاض علماء اللغة العربية في بيان بلاغة القرآن وأسلوبه الذي لم يعرفه العرب من قبل فلا هو شعر ولا هو نثر ولكنه كما قالوا هو «قرآن» وكفي، وهو يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان ولذلك تكرر لفظ الإنسان 65 مرة وتكرر لفظ بنى آدم 6 مرات، وقد أكد على كرامة الإنسان بالنص الصريح القاطع «ولقد كرمنا بنى آدم» في صورة الإسراء الآية70، وأعلن مساواة الناس جميعا فكلهم من ذكر وأنثى رغم اختلاف ألسنتهم وألوانهم ودرجاتهم فهم من نصل آدم، وهم من خليفة الله «وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة» (البقرة-30) ووضع الله في كتابه التشريع الكامل لإصلاح المجتمع والأفراد، وقد أشار الله إلى أحداث مستقبلية تحققت بعد نزول آياتها، وعندما أصبحنا في عصر العلم اكتشف العلماء أن في القرآن إشارات إلى الحقائق والقوانين العلمية لم يلتفت إليها السابقون حتى أنهم إشارة إلى غزو الفضاء بعد عشرات القرون من نزول القرآن «فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق، لتركبن طبقا عن طبق» (الانشقاق 16-21) وفي هذه الآية توجيه للإنسان إلى النظر إلى نهاية الأفق وإلى النجوم والكواكب وأخبار بأن الإنسان سيرى من آيات الله ما لم يكن يعلم حتى يصعد في الفضاء مرحلة بعد مرحلة.
بقلم : رجب البنا

رجب البنا