كتاب وأراء

المغرب يتجه بحذر شديد نحو إلغاء مجانية التعليم الجامعي

تنتظر الحكومة المغربية معركة صعبة، إن لم تكن شرسة، من أجل إلغاء مجانية التعليم الجامعي في الموسم الدراسي المقبل، وفي مرحلة لاحقة فرض رسوم دراسية في المرحلة الثانوية. بدأت هذه المعركة منذ الآن، حيث أعلنت النقابات وجمعيات الآباء رفضها لقانون يتوقع أن يصدر قريباً بشأن «إعادة تنظيم قطاع التعليم».
بيد أن المصادر الحكومية تقول إن القانون الجديد لن يلغي المجانية إذ تقتصر الرسوم التي يفترض أن يسددها الطلاب على الأسر الميسورة والثرية، كما يفترض أن تساهم البلديات والقطاع الخاص في تمويل ميزانية التعليم الحكومي.
المعضلة الأساسية عدم وجود تحديد واضح لمفهوم «الثراء»، إذ يتعذر وضع معايير محددة للغنى، عكس حالة «الفقر والعوز» التي يسهل توصيفها، إذ تكون في الغالب مقارنة الدخل الشهري مع النفقات.
قبل سنوات، إندفعت الحكومات المغربية المتعاقبة على فتح عدد من الجامعات بالمدن الرئيسية، على غرار جامعات الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش ووجدة وأكادير وطنجة والقنيطرة والمحمدية وسطات، بحيث يجد كل طالب حصل على البكالوريا (الثانوية العامة) على مقعد دراسي في إحدى الكليات، وكان إنشاء الكليات الجامعية يخضع أحياناً لاعتبارات سياسية واجتماعية،إضافة إلى تشييد أحياء جامعية (مدن جامعية) الأمر الذي أرهق ميزانية الدولة، حيث أصبح قطاع التعليم يلتهم نصيباً وافراً من الميزانيات السنوية.
خلال السنوات الأخيرة، طرحت بالحاج شديد مسألة الجودة، على الرغم من أنه تنظم اختبارات كتابية وشفوية لدخول بعض الكليات المتخصصة على غرار كليات الطب والهندسة والإعلام، بيد أن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع كما ينبغي.
قادت هذه التراكمات إلى تشكيل «مجلس أعلى للتعليم» يضم مختلف الفئات، تركزت اجتماعاته على كيفية الارتقاء بالجامعة.
تقول الحكومة الآن إنها لم تقرر إلغاء مجانية التعليم، لكنها ستلتزم بتوصيات المجلس الأعلى، الذي أوصى بضرورة التركيز على «الإرتقاء بالتعليم» سواء على مستوى الجامعات أو المدارس الثانوية.
بالمقابل تقول النقابات وجمعيات الآباء إنها مع «الإرتقاء» لكن ليس بإلغاء المجانية. هناك حالياً نقاش بشأن كيفية التوفيق بين متطلبات «الارتقاء» من جهة، وأن تبقى أبواب الجامعات مفتوحة لجميع الطلاب أياً كان مستواهم الاجتماعي أغنياء أو فقراء.
المعضلة أن موضوع «مجانية التعليم» يطرح خلال فترة حرجة يعيشها المغرب اجتماعياً.
إذ ما كادت تهدأ الأمور في الحسيمة ومنطقة «الريف» بشمال المغرب، حتى اندلعت احتجاجات وإضرابات في شرق المغرب، خاصة في مدينة «جرادة» التي كانت توجد بها أكبر مناجم للفحم الحجري، حيث لقي شقيقان حتفهما أثناء عمليات التنقيب في منجم عشوائي، إثر ذلك اندلعت مظاهرات صاخبة واحتجاجات واسعة. كانت الشركة التي تعمل في التنقيب عن الفحم في هذه المنطقة قد أوقفت أنشطها قبل 17 سنة، عندما تراجعت كميات الفحم في المناجم وارتفعت التكلفة، وهو ما جعل معظم السكان يلجأون للتنقيب العشوائي بسبب إنعدام فرص العمل.
وأكثر ما تخشاه الحكومة المغربية هو إنفجار وتعدد بؤر التوتر الاجتماعي، خاصة أن الرهان أن ينعم المغرب باستقرار كامل في منطقة مضطربة من أجل تشجيع الإقبال السياحي، التي حققت أرقاما قياسية، أشاعت إرتياحاً كبيراً في المغرب، وتقول الأرقام إن 11 مليون سائح زاروا المغرب خلال السنة الماضية.
ولعل من الواضح أن البلاد استفاد كثيراً من تراجع السياحة في كل من إسبانيا وتونس ومصر، وأصبح وجهة مفضلة للسياح الأوروبيين.
تبدو المعادلة صعبة في المغرب، الحفاظ على الاستقرار من أجل السياحة، وامتصاص الاحتجاجات لتحقيق الهدوء، وتمرير إصلاح جذري في مجال التعليم بشرط ألا يؤدي إلى توتر اجتماعي.
رهان صعب تواجهه حكومة ائتلافية تتعرض لسيل من الانتقادات يومياً في وسائل الإعلام المحلية.
بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل