كتاب وأراء

الـحـرب أولها كلام

يتبادل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون التهديدات بحرب لا تبقي ولا تذر. فكل منهما يقف على ترسانة نووية – صاروخية مدمرة. فهل يقف الأمر عند حدّ التهديدات.. أم انه يتجاوزها إلى ارتكاب سلسلة مترابطة من الأخطاء والأخطاء المعاكسة تؤدي في النهاية إلى الحرب. تعلمنا التجارب التاريخية ان الحرب أولها كلام.. وأن خطأ الاستخفاف بالعدو، أو بردّ فعله، يشكل قوة دفع نحو الحرب. حدث ذلك في شهر آب – أغسطس من عام 1914 مما أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى.
فالحرب التي ذهب ضحيتها الملايين من البشر، تشكل دليلاً على ان الحسابات الخاطئة يمكن أن تؤدي إلى كارثة كبرة. كان كل طرف من الأطراف التي استدرجت إلى الحرب يعتقد انه من السهولة القضاء على الخصم. وأن المعركة ضد هذا الخصم هي مجرد نزهة عسكرية، وأن هذه النزهة يمكن أن تنتهي بسرعة.
وعلى أساس هذه الحسابات طلبت النمسا دعم المانيا بعد أن تمردت صربيا على شروط معاقبة المسؤولين عن اغتيال وليّ عهدها فرانس فرديناند. وعلى هذا الأساس أيضاً استجاب القيصر الألماني ويلهام بسرعة وقدم للنمسا شيكا مفتوحاَ من الدعم العسكري. وعلى هذا الأساس أيضاً طلبت صربيا دعم روسيا، واستجابت روسيا بتحريك قواتها لردع ألمانيا.. وهكذا توسعت عمليات ردود الفعل التبسيطية إلى فرنسا وبريطانيا.. حتى وقعت الطامة الكبرى.
ورغم ما حلّ في العالم من جراء سوء تقدير عواقب الحسابات الخاطئة في تقليل ردّ فعل الخصم أو تحالفاته، وقعت الحرب العالمية الثانية، ثم وقعت الحرب الكورية في عام 1953 قبل أن تجفّ دماء الجنود والضحايا المدنيين في الجبهتين الشرقية ( اليابان – أميركا) والغربية (ألمانيا – أوروبا).
والمستغرب في أمر هذه الحسابات الخاطئة ان أصحاب الرؤوس الحامية كانوا سياسيين وليس عسكريين. فالجنرال إيزنهاور، عندما كان رئيساً للولايات المتحدة، تلقى انذاراً من الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف في عام 1958 بوجوب سحب جميع القوات الأميركية من برلين.. وإلا!!.. وكان ردّ إيزنهاور –بطل الحرب العالمية الثانية- أن وجّه دعوة إلى خروتشوف لزيارة الولايات المتحدة واستضافته في مزرعته الخاصة مع عائلته وأحفاده في مدينة غيتسبرغ. وكانت النتيجة ان خروتشوف تناسى الإنذار وطوى صفحته.
فماذا يمنع أن يحدث هذا الأمر ثانية اليوم بين ترامب وكيم جونغ أون؟.
لقد حدث العكس من ذلك بين الرئيس الأميركي جون كندي والزعيم السوفياتي خروتشوف في عام 1962 حول أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا. هذه المرة فان الرئيس الأميركي هو الذي وجه الإنذار إلى الزعيم السوفياتي في 27 اكتوبر من ذلك العام، لسحب الصواريخ من الجزيرة وإلا..
وفيما كان العسكريون على جانبي الأزمة يستعدون للأسوأ، كانت الدبلوماسية الصامتة تتحرك من وراء الستار لإعداد تسوية سياسية شاملة. وبموجبها سحبت الولايات المتحدة صواريخها من تركيا (القريبة من الاتحاد السوفياتي) مقابل سحب الصواريخ الروسية من كوبا ( القريبة من الولايات المتحدة).
غير ان التعامل مع الأزمة الأميركية – الكورية لا يسير في مثل هذا الاتجاه. فالرئيسان الأميركي والكوري الشمالي يتبادلان الاتهامات فقط، ولكنهما يستعملان لغة بذيئة لا تترك مساحة للتحرك الدبلوماسي. حتى انه عندما أعلن وزير الخارجية الأميركي ريس تيلرسون أنه يعتمد على وسيلة دبلوماسية –عبر طرف ثالث- لمعالجة الأزمة مع كوريا، أنّبه الرئيس ترامب علناً بقوله «لا تضيّع وقتك.. فان زعيم كوريا الشمالية لا يفهم بغير لغة القوة»!!. غير ان الولايات المتحدة تعرف جيداً ان كوريا الشمالية إذا كانت غير قادرة على إلحاق أذى كبير بالولايات المتحدة نظراً لبعد المسافة، فإنها قادرة على تدمير كوريا الجنوبية وعلى إلحاق دمار واسع في اليابان، حليفي الولايات المتحدة سياسياً وعسكريا، ولذلك فان سيول وطوكيو تضغطان على واشنطن سراً لاعتماد أسلوب الحكمة في معالجة الأزمة مع بيونغ يانغ. فهل تكون الحكمة صينية؟ّ!.
لقد سبق للصين أثناء الحرب الفيتنامية أن هددت في عام 1965 بالتدخل في الحرب إذا تعرضت فيتنام الشمالية للعدوان، وكان هذا التهديد يعني تعهداّ صينياً بعدم التدخل إذا التزمت الولايات المتحدة بحصر عملياتها العسكرية في جنوب المنطقة المنزوعة السلاح. وهذا ما حدث، وتلقي هذه التجربة الناجحة (؟) الضوء على دور مماثل يمكن أن تقوم به الصين اليوم في الأزمة مع كوريا الشمالية.
وثمة تجربة أخرى أدى فشلها إلى استدراج الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1916 تعهدت ألمانيا (معاهدة سوسكس) بعدم التعرض للسفن الأميركية في المحيط الأطلسي. الا ان قوات ألمانية (في عهد هتلر) نكثت هذا العهد، فكان الردّ الأميركي بإعلان الحرب على ألمانيا.
أما الأمر بإغراق السفينة الأميركية في المياه الدولية فلم يأتِ من القيادة السياسية، جاء من رؤوس عسكرية حامية لم تحسب أي حساب لردّ الفعل الأميركي الذي قلب موازين القوى في الحرب.
ولكن ماذا تكون النتيجة إذا كان الرؤوس الحامية في الأزمة مع كوريا الشمالية هي رؤوس سياسية عليا سواء في واشنطن.. أو في بيونغ يانغ؟..
بقلم : محمد السماك

محمد السماك