كتاب وأراء

«قسد» وخطوة «جيش الشمال»

تتزاحم الوقائع والتفاعلات السياسيةِ والعسكريةِ في الشمال السوري، بالرغم من انحسار نفوذ وحضور تنظيم الدولة (داعش). والموضوع الأساسي في كل ذلك يأتي مع الإعلان عن تشكيل جيش جديد قوامه الرئيسي مجموعات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية، ومعها بعض المجموعات العسكرية، الأصغر حضوراً والأقل شاناً من ناحية فعلها على الأرض.
وغني عن القول بأن التقارب التركي الروسي، وحتى الروسي الإيراني، تَسبَبَ بمأزق حقيقي المجوعات (قسد)، خصوصاً بعد ارتفاع مؤشرات اندلاعِ صراعٍ ما بين مجموعات (قسد) ودمشق، والتحفظ التركي بشأن ظاهرة مجموعات (قسد) ككل، وهو التحفظ الذي زادَ وارتفع منسوبه مع الخطوة الكردية الأخيرة بتأسيس تشكيل عسكري جديدة تحت مُسمى «جيش شمال سوريا» وبدعمٍ أميركي مُباشر.
أنقرة، تَعتَبر بأن تلك الخطوة المُتمثلةِ بالإعلان عن التشكيل الجديد المعنون بــ (جيش شمال سوريا) تأتي لإزعاجها من الناحيةِ الأمنيةِ في واحدةٍ من استهدافاتِ تلك الخطوةِ، خصوصاً وأن الإعلان عن التشكيل ترافق مع تصريحاتٍ سياسيةٍ ساخنة على لسان قطبٍ من أقطاب (قسد) والمُتعلقةِ بالاستعداد لخوضِ معركةِ (عفرين) «في مواجهة عسكرية قوية ومفتوحة بمواجهة القوات التركية، إذا هم حاولوا تجاوز الخطوط المعروفة في منطقة عفرين» على حد تعبيره. وبغض النظر عن جديةِ تلك التهديداتِ الخُلبية، وتواضع قدرات أصحابها أمام الجيش التركي، فإن أنقره تأخذ بعين الاعتبار إحتمالاتِ إنفلاتِ الوضع في تلك المناطق التي تَشهَد توتراتٍ يوميةٍ.
وعلى الأرجح، ووفق المُعطياتِ المتوفرةِ، إنَّ الطرف المعني بالرسالة الجديدة من وراء تشكيل (جيش شمال سوريا) هي روسيا أيضاً، في محاولةٍ من الطرف الكردي لإعادة ترتيب الأوراق في إطار عملية التسوية من جديد وضمان إمكانية حضور (قسد) تحت العنوان الجديد أعمال مؤتمر سوتشي. فمجموعات (قسد)، وبعد إحتضارها المتوقع، تطرح نفسها الآن وبالتشكيلة التي أعلنتها (جيش شمال سوريا) كقوةٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ معنيةٍ بالحل السوري، وتحاول كذلك أن تُظهِر لروسيا أنها قوة متماسكة وأنها قادرة على التطور حتى تطرح نفسها شريكاً، وبوجود دعمٍ أميركي لها، وخصوصاً أنَّ العنوان القديم «قوات سوريا الديمقراطية/قسد» لم يَعُد صالحاً للمرحلةِ الجديدةِ. فيما تتحفظ تركيا أصلاً على مشاركة تلك المجموعات وعموم الأحزاب الكردية في مؤتمر سوتشي، وخاصة حزب (البي كي كي) النسخةِ السوريةِ عن حزب (البي كي كي) التركي.
أخيراً، إنَّ المعلومات المتوفرة تؤكد وجود خلافٍ عميق، لا بد سيظهر على العلن، وصراعاً حقيقياً بين تياراتٍ مُختلفةٍ داخل الأكراد الخريطة السياسية والحزبية لأكراد سوريا. بين تياراتٍ تؤمن بالجغرافيا وبالحالةِ السوريةِ الجامعةِ، وهي قريبة من بذلك من مواقف المعارضة السورية التي ترفض التقسيم والكونفدرالية وتتمسك بوحدة البلاد، وتُدرك بالمعطى السياسي أن هناك توافق إقليمي على عدم السماح لجزء من الأكراد السوريين بإقامة دولة انفصالية، وبين قيادات لا تؤمن إلا بما يُسمى «كردستان سوريا»، وتلتقي في ذلك مع اتجاهات مسعود البرزاني في كردستان العراق، الذي غامر بعملية الاستفتاء التي ارتدت بنتائجها السلبية على حضور البرزاني وحزبه وعلى عموم الحالةِ الكردية شمال العراق.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان