كتاب وأراء

الليل الطويل

اعترف أحد الحراس برتبة رقيب في معسكرات الأرجنتين عام 1995، بأن ما بين ألفين وألفين وثلاثمائة من الأشخاص الذين اعتقلوا دون تهم حقيقية في «حكم خورخي فيدلا» أو الفترة السوداء كما أطلق عليها المؤرخون، من رجال ونساء، وشيوخ ومراهقين، كان يتم حقنهم بمخدر قوي يسبب ما يشبه الأزمة القلبية اسمه «بانانوفال» ويجعلهم في حالة ارتخاء وتلاشٍ خلال ثوان قليلة، وشبه غائبين عن الوعي، حينذاك يتم حملهم إلى طائرات شبحية تطير بهم على ارتفاع منخفض ثم يلقى بهم في البحر وهم أحياء، وذكر الرقيب في شهادته أن أسماك القرش كانت تلاحق طيران الطائرات لعلمها أن هناك وجبة بشرية دسمة سوف تُقدم لها، وبعده اعترف نقيب مسؤول متقاعد، وكان ذلك في زمن كارلوس منعم، بأن ما قيل صحيح، فما كان من الرئيس «منعم» إلا أن تجاهل تلك الاعترافات واتهم أصحابها بأنهم لصوص ولا يعول على كلامهم، وقام بسحب الرتب العسكرية منهم، وهذا ما دفع الكاتب «ماريو فارغاس أيوسا» لنشر مقال في الصحف الإسبانية يندد فيه بهذه الفظاعات التي لم تعد تثير الدهشة: «كم سيكون رائعاً لو أن جميع المسؤولين عن تلك الوحشية الدموية غير المسبوقة قد حوكموا ولاقوا قصاصهم، ولكن هذا رغم كل شيء مستحيل عملياً، لأن تلك المسؤولية تتجاوز تجاوزاً بعيداً النطاق العسكري وتطال طيفاً عريضاً من المجتمع ،بمن فيهم أولئك الذين ينددون بالعنف السابق، والظلم السابق.. ببساطة لأنهم مشاركون فيه بصورة أو بأخرى»، وكلما قامت ثورة أو انتفاضة شعبية لتغيير نظام فاسد يتم تحريفها بعد نجاحها، ويتم الالتفاف حولها، وتحصد ثمارها مجموعة من الناس لا يقلون فساداً وظلماً عمن سبقوهم، وبدلاً من البدء في الإصلاح وإنعاش الاقتصاد وتقليص الاختلافات والمضي نحو الأمام يشعلون حروباً وهمية بحجة الثأر والانتقام من أعداء الماضي، وينفقون، أو يدعون أنهم ينفقون الأموال الطائلة، في محاسبة من أفرغوا خزينة البلد العامة، لتتضخم خزائنهم الخاصة بالأموال المستعادة أو المصادرة، ببساطة لصوص في مراكز القوى يلاحقون لصوصاً فقدوا سلطتهم، سيرورة طويلة الأمد، محزنة ومخيفة ولكنه تعكس الواقع المؤلم، أن كل حُكم يلجأ إلى التعذيب والاغتيال دفاعاً عن القانون يطعن في الوقت نفسه بحقه في الحكم والقانون الذي يدافع عنه، وقد وصف المفكر والأديب «خوليو كورتثار» هذا المنهج الديكتاتوري بالكلمات التالية: «إن غياب العدالة في ظل الأنظمة العسكرية وما يصاحبها من اختفاءات للضحايا، وإلقائهم بعد تعذيبهم من طائرات محلقة أو في قبور جماعية مجهولة يحرم الأسر الملتاعة من حق الحداد، أو حتى التعبير عن الحزن، ويصبح عليهم أن يلزموا الصمت، فالصمت هو الإمكانية الوحيدة للحفاظ على حياة من لا تسمح لهم قلوبهم بتصديق أن أحباءهم اصبحوا بين الأموات»، وصدق الراحل الجليل «مصطفى محمود»، حين قال إن عالمنا هو عالم الأهواء والمصالح، والنزاعات الفردية، والشعارات الكاذبة التي يستر بها أصحاب المخالب مخالبهم، ويخفي بها الطامعون طمعهم، فالدول لها شكل الدول في الظاهر، ولكنها تتصرف كعصابات في الحقيقة، والزعماء بعضهم قطاع طرق يمارسون قطع الطريق علانية، ويتباهون بالمشانق والمذابح ومطاردة الخصوم إلى أقصى الأرض، ولا يكفي أن يكون الواحد اسمه في البطاقة أحمد أو محمد، وأن يضع أمامه مصحفاً، وأن يعلق سلسلة فيها لا إله إلا الله، فكل هذه اللافتات والتصرفات سوف تشهد ضده يوم لا يُجدي إنساناً، مهما علا شأنه، ومهما طغى واستبد سوى عمله في الدنيا.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري