كتاب وأراء

مشهد الاحتجاجات في إيران

بدأت في الثامن والعشرين من ديسمبر 2017 مظاهرات في مدينتي مشهد وقُم الإيرانيتين، مظاهرات ما لبثت وأن امتدت إلى مدن أخرى في إيران. ردد المتظاهرون في هذه المظاهرات شعارات تتعلق بسوء الاوضاع الاقتصادية وترديها غير المتوقف، كما أشارت الشعارات إلى السياسة الخارجية الإيرانية من بوابة الاقتصاد، حيت انتقد المتظاهرون إعطاء الاولوية للخارج متمثلاً في سوريا وغزة ولبنان، وإهمال تطوير حياة المواطنين الإيرانيين.
يشير استمرار المظاهرات وتوسع دائرتها إلى الإحساس العميق لدى قاعدة عريضة من الشعب الإيراني بتردي الأحوال الاقتصادية، حيث تشير المؤشرات الاقتصادية إلى الارتفاع المطرد لمعدلات التضخم في إيران حيث وصل في شهر نوفمبر 2017 إلى 9.6 بعد أن كان 8.3 في شهر اكتوبر من نفس العام. يرافق ذلك تزايد في معدلات البطالة، حيت تشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة البطالة حوالي 13%، في حين تشير الأرقام غير الرسمية إلى حوالي 24%. لقد ضاعف الانخفاض المستمر لأسعار النفط من الأزمة الاقتصاديةأ وترك أثره البالغ على أداء الحكومة الإيرانية التي لم تجد مناصاً من التفكير في فرض ضرائب جديدة تثقل من كاهل المواطنين. وكانت الحكومة الإيرانية قد أعدت موازنة للعام الإيراني القادم الذي يبدأ في 21 من مارس بحيث تعتمد على النفط بمعدل 35% فقط، وأن تؤمن الموازنة مواردها من مصادر أخرى، وهو الامر الذي لا يبدو أنه سينجح في ظل الغضب العام الذي عبرت عنه المظاهرات. في هذا السياق يجب الإشارة إلى انتشار الفساد الاقتصادي يعد سبباً في تراجع الوضع الاقتصادي وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتآكل الطبقة المتوسطة في المجتمع الإيراني والتي تعد الداعم الأساسي لنظام الجمهورية الإسلامية.
مع استمرار المظاهرات وتوسع دائرتها، يبدو واضحاً أن المطالب الاقتصادية هي المسيطرة على المشهد، وهذا يستدعي التذكير بالأزمات الثلاث التي لم تفلح حكومة الرئيس حسن روحاني في حلها: الأزمة الأولى بنيوية تتعلق بالاقتصاد وتشريعاته، والثانية تتعلق بتأثير العقوبات الاقتصادية والاعتماد على النفط، والثالثة تتعلق بعدم نجاح إيران في جني أي ثمار اقتصادية بعد توقيعها الاتفاق النووي. هذا لا يعني أن المشهد السياسي مقبول من قبل المتظاهرين.
ما يلفت الانتباه في أمر المظاهرات هو غياب رجال الدين عنها، حيث لم يظهر المعممون في المظاهرات، وهذا يستدعي سؤالاً حول اذا ما كانت الأحوال الاقتصادية لرجال الدين أفضل من أحوال بقية الإيرانيين؟ يشار ايضاً إلى أن المظاهرات بلا قيادة سياسية أو دينية، وهذا ليس مألوفاً في السياق الإيراني. ويمكن تفسير غياب القيادة على بسببين: الأول عدم ثقة الرأي العام بأي قيادة من قبل رجال الدين أو السياسيين الذين في معظمهم مرتبط بالنظام، والثاني قد يؤكد على العفوية في مسألة المظاهرات وأنها مطلبية فقط، وقد تنتهي بتحقيق مطالب المتظاهرين وهو أمر يستدعي النظر في تطور المظاهرات من حيث التوزيع الجغرافي وكذلك نوعية الشعارات واذا ما كانت ستتغير بفرض استمرار تلك المظاهرات.
عرفت إيران الحركات الاحتجاجية منذ أوائل القرن العشرين، وظهر جلياً أن كل الحركات الاحتجاجية لم تنجح الا مع تكرار حدوثها ومع تزايد عنصر التنظيم فيها وظهور أدبيات توجه مسارها، بعض هذه المسائل لا تبدو متماسكة في مشهد الاحتجاجات الحالي، لكن هذا لا ينفي أن ثمة عدم رضا عن الحكومة وأدائها وعن النظام السياسي برمته، عدم رضا بين جيل الشباب والمرأة بل وحتى بعض من حضروا في مشهد الثورة منذ قامت.

بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري