كتاب وأراء

«السيلفي المجنون»

من أجمل الكاريكاتيرات التي صورت مضار الهواتف الذكية رسم لطفل يغرق والذين من حوله منشغلون بتصويره، فالصورة ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي صارت اليوم أهم من كل شيء، ووصل معها الكثيرون إلى حد الجنون. لكن مضار هذه الهواتف، أو بالأحرى الكاميرات المثبتة فيها، ليست منحصرة في هذا، فالضرر الأكبر يأتي من «السيلفي» الذي صار مجالا آخر للتعبير عن حالات الجنون، حيث فقد الكثيرون حياتهم من أجل الظفر بلقطة يأملون أن تتسبب في إدهاش من يراها وتشعرهم بالتميز.
في هذا السياق تتوافر قصص كثيرة، منها على سبيل المثال قصة ذلك المراهق الهندي الذي أطلق النار على رأسه أثناء التقاطه صورة سيلفي مع مسدس حقيقي يمتلكه والده وكان معبأ بالرصاص، وقصة ذاك السائح الذي أقدم على تحطيم تمثال تاريخي للملك الطفل قائد معركة وادي المخازن والذي يعود للقرن السادس عشر أمام محطة للقطارات في العاصمة البرتغالية لشبونة عندما حاول التقاط صورة سيلفي مثالية من خلال تسلق التمثال إلا أن قدمه تعثرت مما تسبب بسقوطهما معا وتهشم التمثال، وقصص أخرى كثيرة تسببت فيها لقطات السيلفي بأذى المشاركين فيها.
ورغم أن دولا عديدة بدأت في فرض عقوبات على من يحاول التقاط صورة سيلفي في أماكن معينة لأنها تشكل خطرا عليه إلا أن الكثيرين لا يزالون يغامرون بحياتهم لالتقاط مثل تلك الصور. من هنا فلا غرابة من سماع خبر عن شخص فقد حياته أثناء محاولته التقاط صورة لنفسه وهو فوق ظهر قطار أو لحظة مرور سيارة مسرعة أو هبوط طائرة، أو بالوقوف على حافة مبنى مرتفع أو جبل أو حائط.
تشير إحدى الدراسات الحديثة إلى أن صور السيلفي تحمل العديد من المخاطر الاجتماعية منها أن «لهذا النوع من الصور أثرا كبيرا على شخصية ملتقطها حيث أنها تصيبه بالاكتئاب نتيجة عدم الرضا خصوصا أنها قريبة وتكشف تفاصيل الوجه، مما يؤدي إلى حالة من الاضطرابات النفسية التي تنعكس على سلوك الفرد في المجتمع وتجعله أسيرا لها»، ومنها أنها «تجعل الشخص أنانيا وعاشقا لذاته دون التفكير بمن حوله» كما أنها «أفقدت الذكريات قيمتها حيث أنها رهن لملتقط السيلفي». الدراسة توصلت أيضا إلى أن التقاط صور السيلفي «يمكن أن يتسبب في انتقال الأمراض كالبكتيريا والقمل نتيجة الاقتراب وعدم ترك مسافة كافية حتى بين الأشخاص الغرباء لاسيما عند الاطفال أو عند التقاطها بجانب الحيوانات الأليفة، وفي أيام الصيف التي ترتفع فيها نسبة التعرق في جسم الإنسان».
المثير في موضوع السيلفي هو المعلومة الأكيدة التي ملخصها أن هذه التقنية قديمة وليست جديدة وأنها تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر وذلك بفضل كاميرات براوني، حيث كان المصورون الذين يلتقطون تلك الصور يستعينون بالمرايا. الجديد في السيلفي هو أن هذه التقنية انتشرت بفضل الشبكات الاجتماعية وتطور الهواتف الذكية. والجديد فيها بالطبع هو تلك المواقف التي قد يخسر «المتسلفي» فيها حياته.
بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن