كتاب وأراء

المكان المقدس لا يبقى شاغراً

قبل نحو أسبوع، انتقد المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، «الكسندر لافرينتيف»، من أسماهم بالراديكاليين السوريين لأنهم ما زالوا يصرون على رحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد عن السلطة. وأشار «لافرينتيف» في لغة لم تخلُ من التهكم إلى أنه في الوقت الذي بدأت فيه دول كانت تتبنى مواقف متشددة من الرئيس السوري في مراجعة مواقفها، فإن هؤلاء الراديكاليين ما زالوا جامدين لا يختفي منهم أحد إلا ويحل مكانه آخر، حتى لا يبقى المكان المقدس شاغراً.
وكمثال للدول التي ليّنت مواقفها، أشاد الدبلوماسي الروسي بممثلي السعودية الذين حاولوا في مؤتمر عُقد في الرياض أن يقنعوا الراديكاليين السوريين المشاركين فيه بعدم تضمين البيان الختامي أية عبارة تدعو إلى خروج الأسد من السلطة. لكن السعوديين، برغم محاولاتهم، لم يتمكنوا، بحسب «لافرنتيف»، من إثناء المعارضين. ولم يفت الدبلوماسي الروسي أن يشير في معرض تصريحاته إلى أن هؤلاء الراديكاليين الذين يتوالون على أداء ما يظنون أنها مهمة مقدسة إنما يعقدون الموقف بشكل ستكون له نتائج وانعكاسات سلبية واسعة.
ولا يبدو أن تليين الرؤوس المطلوب هذه الأيام يقتصر على الموقف من النظام السوري وبالتحديد مستقبل الأسد فيه، وإنما تخطى ذلك إلى المطالبة بتليينها تجاه مسائل أهم وأبعد بكثير. المنطقة برمتها باتت مقلوبة رأساً على عقب بسبب مطالبة أهلها بالكثير من التليين. مطلوب منهم أن يلينوا رؤوسهم مع المستبدين والفاسدين وألا يفكروا في ربيع جديد بالمرة. وأن يقبلوا بصفقة القرن وبمشروعات ترامب وخطط صهره وأحلام رئيس الوزراء الإسرائيلي وادعاءات اليمين الصهيوني. أن يظهروا ليونة كاملة مع الاستراتيجية الأميركية التي تعتبر إيران الخطر الوحيد في المنطقة. ومرونة أخرى إزاء القدس ليقبلوا بها عاصمةً أبدية موحدة لإسرائيل وكأنهم يوماً لم يعرفوها أو يسمعوا بها. ومطلوب منهم كذلك عدم الممانعة في تصفية القضية الفلسطينية والليونة في مسألة عودة اللاجئين. وأن يسارعوا إلى التطبيع الثقافي والاقتصادي والسياسي الكامل مع إسرائيل دون ربطه بتسوية قضية يجب أن يقروا بأنها باتت فرعية. مطلوب من العرب باختصار تليين رؤوسهم مع التاريخ والجغرافيا والتجاوب التام مع المرئيات الاستراتيجية لكل من واشنطن وإسرائيل.
وكما ليّن بعض العرب رأسهم بالفعل إزاء مستقبل رئيس النظام السوري، فقد ليّنوا رؤوسهم أكثر إزاء موضوعات ظلت لفترة طويلة تعتبر مبدئية ولا يمكن وصف من يخرج عليها إلا بأنه خائن. لقد سار البعض منهم مثلاً في إطار صفقة القرن بحماسة مخيفة ومخيبة للآمال. اعتبر بعضهم القدس قضية جانبية. قالوا أنها مقدسة عند اليهود مثلما مكة والمدينة عند المسلمين. وقالوا أن الإسرائيليين لم يقتلوا يوماً مواطناً من بلدانهم. استضاف بعضهم عسكريين إسرائيليين في تنسيق لم تفعله حتى دول لها اتفاقيات أمنية مع إسرائيل. فتحوا الباب لشركات أمن اليكتروني إسرائيلية ائتمنوها على أسرارهم. حاصروا اليمن وقتلوا أهله بالجملة بينما احتضنوا الإسرائيليين وأغدقوا عليهم. وصور كثيرة أخرى من التليين تؤكد أن الخوف لم يعد من توسل السلام مع إسرائيل وإنما من تسول رضاها.
غير أن التخلي عن هذه القضايا المبدئية قد لا ينتهي على الأرجح إلا بدفع مجموعات جديدة من الراديكاليين إلى الساحة. فالمنطقة بطبعها ولاّدة للغضب. لم يتوقف العنف فيها لقرون. وليس هذا بالمناسبة أمر يدعو إلى الفخر خاصةً وأن كثيراً من العنف وقع بين أهلها. عنف العربي ضد العربي وخيانة العربي للعربي وغدر العربي للعربي وحصار العربي للعربي. ليتبقى برغم ذلك عنف وحيد مشروع أقرته الشرائع الدولية عندما يكون للدفاع عن حق مغتصب وأرض مسلوبة والتصدي لمعتد عتل.
ولأن ما أقدم عليه الملينون العرب قد أسقط من حساباته أكثر وأهم الثوابت فقد وقعت صدمة شعورية عامة حملت حتى بعض الحكومات العربية التي لها روابط طيبة بالولايات المتحدة على بدء التفكير في مواقفها ومحاولة النأي بنفسها عن مسايرة صفقة القرن. وإذا كان هذا موقف بعض الحكومات فلن يكون مستغرباً أن تقع حركات مجتمعية ارتدادية واسعة وأن تظهر موجات راديكالية تتبع الواحدة منها الأخرى تحاول أن تشغل المواقع المقدسة التي كان النظام الاجتماعي العربي يتصور أن النظام السياسي العربي سيدافع عنها. فهذه سنة التاريخ. عندما تنسحب الحكومات تتقدم المجتمعات لتملأ الفراغ خاصةً لو تعلق الأمر بالثوابت والمقدسات.
ولننتظر منطقتنا في 2018. وها هي تدخل إليه محملة بكل أنواع الأخطاء والمخاطر وقصور الرؤية. ولن يكون مستغرباً أن تدفع الليونة ثمن تفريطها تماماً كما دفع التعنت من قبل ثمن العناد. إنها منطقة عجيبة. الليونة فيها خيانة والتصلب فيها جنون. منطقة لم تعرف كيف تتوازن ولا يبدو أنها ستعرف ذلك في العام الجديد.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات