كتاب وأراء

هنا وهناك

اكتب كل شيء يقفز إلى رأسك وستصبح كاتبا عاديا، الكاتب الحقيقي هو الذي يستطيع محاكمة نصوصه ويعرف قيمتها بالضبط دون شفقة أو رحمة ويدمر أغلبها، أقتبس هذه الكلمات من الكاتبة الفرنسية «كوليت» لقد أعاد ارنست همنجواي كتابة الصفحة الاخيرة في كتابه وداعا للسلاح تسعة وثلاثين مرة... تصوروا تسعة وثلاثين مرة، وكان الاديب الفرنسي «اندريه جيد» في عز مجده وشهرته، حين تلقى رسالة نقدية خاصة من أديب آخر أكثر شهرة يدعى «مارتن دوجارد» نصحه فيها بأن يقلل من الكتابة وان يقرأ أكثر، وان يكتب عن الحياة بصدق، لأن كل كتبه المنشورة تدل على الموهبة لكن تنقصها الحياة، وبدلا من أن يغضب الاديب الذي كان وقتها قد تجاوز الخمسين وبات معروفا، قرأ الخطاب بتمعن عدة مرات قبل ان يرد عليها شاكرا «لاتتصور مدى المساعدة التي أمدني بها خطابك، ومدى ما أشعر به من امتنان نحوك لأنك خاطبتني بهذه الطريقة» وبعد ذلك تفرغ لتنفيذ النصيحة، وقضى وقتا أطول في القراءة وفي صحبة الناس قبل ان يكتب اجمل رواياته «المزيفون» ويهديها إلى صديقه الجديد الذي نصحه سرا ولم يُندد به ويقلل من قيمة ما يكتبه، وتفرغ الفيلسوف «مونتسيكو» في كتابة «روح القوانين» الذي يعد مرجعا الآن لحقوق الانسان والدساتير المكتوبة كدستور الولايات المتحدة الأميركية لمدة خمس سنوات. وحين انتهى منه، جمع عددا من أصدقائه وشرع يقرأ لهم صفحات طويلة من الكتاب. وحين توقف عن القراءة رأى علامات الاستياء على وجوههم بدلا من الإعجاب. ثم نصحوه بالإجماع أن يرمي به في سلة المهملات. لكن مونتسيكو لم يطاوعه قلبه على التخلص من تعب سنوات طويلة، فنبذ نصيحة أصدقائه المخلصين الذي لا يشك في إخلاصهم ودفع بالكتاب إلى المطبعة. ولما نشر الكتاب تلقفه القراء بحماس ووصفه النقاد بأنه من أهم الكتب التي نشرت في القرن الثامن عشر. وفيما بعد ارتبط اسم أشهر مفكري فرنسا مونتسيكو بكتابه روح القوانين. وقضى الكاتب الايطالي ألبرتو مورافيا ثلاث سنوات في كتابة روايته الأولى «اللا مبالون» وهي رواية تتناول التفسخ الاجتماعي في ظل النظام الفاشي لموسوليني حيث تتنازع الأم وابنتها على قلب رجل واحد. ورفض معظم الناشرين نشرها. فما كان منه الا أن طبعها على نفقته الخاصة. وحققت الرواية نجاحا كبيرا جعل اسمه يتردد على كل لسان حتى بعد مصادرتها. وبعد سقوط الحكم الفاشي أعيد طبعها عدة مرات. وعانت الكاتبة التي أصبحت أغنى كاتبة تقريبا في العالم «كي جي رولينغ» الفقر والبؤس وخيبة الأمل، ورفضت اثنتا عشرة دارا للنشر طبع كتابها الأول هاري بوتر، ثم وفي محاولة أخيرة طلب رئيس مجلس إدارة دار نشر صغيرة من ابنته «أليس» أن تقرأ صفحات من الكتاب وتبدي رأيها. وكان في هذا الطلب استخفاف وتصريف كما نقول بلهجتنا العامية. فإذ كيف لطفلة لم تبلغ العاشرة بعد أن تصدر حكما على جهد مؤلف بالغ. ولكن ومن حسن حظ «كي جي» وأطفال العالم أن أعجبت الفتاة الصغيرة أليس بالقصة. ونقلت حماسها إلى والدها. وصدر الكتاب وتبعته الأجزاء المكلمة التي جعلت من مؤلفته أغنى من ملكة إنجلترا. إن طريق النجاح ليس مفروشا بالورد. وعندما كتب الفيلسوف المتشائم «شوبنهاور» أهم كتبه وأشهرها «العالم كإرادة وفكر» تلقاه القراء بفتور وعدم مبالاة. وسمع شوبنهور أحد النقاد يطعن في الكتاب أمامه فقال له بغضب: إن هذه الكتب مثلها مثل المرآة إذا نظر فيها حمار فلا يتوقع ان يرى وجه ملاك». وعلى كل من يكتب كما قال فولتير ان يتوقع لوم بعض الناس على ما كتب. ولوم البعض الآخر على ما ترك. ولكن لا ينبغي لهذا اللوم وما يماثله من المنغصات الصغيرة ان يصرف الكاتب الذي يعشق الحقيقة والحرية عن الكتابة. فالكاتب لا يطمح في الواقع الا ان يتركوه يحيا كأديب.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري