كتاب وأراء

الانتشار العسكري الأميركي

مع بداية العام 2018 تبدأ وزارة الدفاع الأميركية– البنتاغون تنفيذ استراتيجية عسكرية جديدة بموازنة تبلغ 700 مليار دولار. فالقوات الأميركية تنتشر في 172 دولة في العالم، ولا توجد قارة تخلو من هذه القوات. والواقع أنه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والولايات المتحدة تحتفظ بقوات وبقواعد عسكرية في العديد من دول العالم. ففي أوروبا لا يزال يوجد في ألمانيا 8286 جندياً أميركياً في قواعد عسكرية خاصة بهم. وفي بريطانيا يوجد 8286 جندياً. وحتى في تركيا التي ساءت علاقاتها كثيراً مع الولايات المتحدة لا يزال يوجد فيها حتى الآن 1364 جندياً اميركياً كجزء من قوات حلف شمال الأطلسي.
أما في الشرق الأوسط فان القوات الأميركية تتمركز في موقعين أساسيين في البحرين، حيث يوجد 6524 جندياً. وفي قطر حيث يوجد 3055 جندياً داخل ثكنات منعزلة ومغلقة.
ولعل أكبر مركز للقوات الأميركية في العالم هو في اليابان وكوريا الجنوبية، ففي اليابان (قاعدة أوكيناوا) يوجد حوالي 40 ألف جندي أميركي. أما في كوريا فيوجد 23500 جندي.
وتقف هذه القوات على أهبة الاستعداد منذ أن تدهورت العلاقات الأميركية مع كوريا الشمالية على خلفية سلسلة العمليات التي قامت بها بإطلاق صواريخ استراتيجية بعيدة المدى وعابرة للقارات. وقد أجرت القوات الاميركية عدة مناورات حربية قبالة سواحل كوريا الشمالية في عرض للقوة، ولكن لا يبدو ان ذلك أدى إلى ليّ الذراع الصاروخية للرئيس الشمالي؟؟
لم يكن للولايات المتحدة عدد يذكر من القوات في دول القارة الافريقية. إلا أن ذلك تغيّر الآن. فهناك حوالي 38 ألف جندي أميركي منتشرون في العديد من الدول الافريقية إما بصورة غير معلنة رسمياً، أو بصورة سرية. فالولايات المتحدة لم تعلن مثلاً عن وجود قواتها في النيجر، إلا بعد أن وقعت مجموعة منهم في كمين أدى إلى مقتل اربعة جنود أميركيين في شهر أكتوبر الماضي. فاضطرت وزارة الدفاع إلى الاعتراف بوجود هذه القوات.
أما القوات الأميركية الموجودة في الصومال بصفة مستشارين ومدربين، فان عددها لا يتجاوز الأربعمائة عنصر فقط. ولكن لا يبدو انها نجحت في مهمتها، بدليل ان التنظيم الإرهابي المعروف باسم حركة الشباب ارتكب مجزرة في منتصف شهر أكتوبر الماضي في العاصمة مقاديشو أدت إلى مقتل 270 شخصاً.
يعترف البنتاغون ان له قوات غير مصرح عنها منتشرة في مواقع مختلفة من العالم. يبلغ عددها حوالي 38 ألف جندي. أما ما هي مهمات هذه القوات، فعلمها عند الله وقيادة أركان القوات الأميركية. أما إجمالي عدد القوات الأميركية المنتشرة في العالم -خارج الولايات المتحدة- فانه يبلغ ربع مليون جندي. وتحديداً 240 ألفاً.
ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، يكاد لا يمرّ عقد من الزمن إلا وتتورط الولايات المتحدة في حرب جديدة. من الحرب الكورية في الخمسينيات من القرن الماضي، إلى حرب فيتنام في الستينيات منه، إلى حرب أفغانستان المستمرة حتى اليوم، فالحرب على العراق.
واليوام تتواجد قوات أميركية بصفة مدربين ومساعدين في كل من سوريا والعراق.
أما في إسرائيل فان الولايات المتحدة تحتفظ فيها بمخازن للأسلحة والذخيرة والتي توضع في متناول القوات الإسرائيلية عندما تدعو الحاجة.
في عام 2001 أقر تشريع في الكونغرس يعطي الرئيس الأميركي صلاحية شنّ الحرب على تنظيم القاعدة، وذلك إثر العملية الإرهابية التي استهدفت مبنى التجارة العالمي في نيويورك، في الحادي عشر من سبتمبر من ذلك العام. ولا يزال هذا التشريع مستمراً. وبموجبه كان التدخل - الخجول- للقوات الأميركية في العراق وسوريا في عهد الرئيس السابق باراك أوباما لمقاومة الإرهاب الداعشي، وهو تشريع يستند اليه الرئيس الحالي دونالد ترامب في قراره إرسال وحدات عسكرية لمحاربة داعش في سوريا والعراق.
ولكن خلافاً لما كان يجرى في الحروب الأميركية السابقة، فان الصيغة الجديدة تعتمد على المتطوعين في الدرجة الأولى بعد تدريبهم وتأهيلهم للعمليات العسكرية. ثم ان تطور التكنولوجيا العسكرية (الاستطلاع بالاقمار الصناعية والقصف الصاروخي عن بعد واستخدام طائرات قاذفة من دون طيار) قلّل كثيراً من مخاطر تعرض الجنود الأميركيين إلى خسائر. وقد أثبتت ذلك وقائع المشاركة الأميركية في كل من سوريا والعراق، حيث لم تسجل إصابات تذكر بين هذه القوات.
ولا شك في ان أهم تطور في المنظومة العسكرية الأميركية، يتمثل في قرار الرئيس ترامب تحديث السلاح النووي. وسبق اتخاذ هذا القرار انفجار الأزمة مع كوريا الشمالية. أما نفقات التطوير فانها ليست جزءاً من موازنة البنتاغون التي تبلغ 700 مليار دولار.
وبذلك تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تتصرف على قاعدة: اذا كنت تريد السلام فاستعد للحرب!!.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك