كتاب وأراء

السياسة الاقتصادية للرئيس ترامب : إلى أين ؟

في مارس الماضي وفي سلسلة من المقالات لقراء هذه الجريدة عما سوف تحمله إدارة السيد ترامب لأميركا أوضحنا أن السيد ترامب سيحاول تنفيذ سياسة اقتصادية تحاكي سياسة الرئيس رونالد ريجان في الثمانينيات. وكنا اعتمدنا في هذا التحليل على مجرد مقترح الميزانية الفيدرالية التي قدمها للكونغرس للموافقة عليها آنذاك. أما الآن وقد مرر السيد ترامب من خلال مجلس النواب مشروع قانون الضرائب الجديد الذي تقدم به الحزب الجمهوري فلقد ثبتت الرؤية. وسيصبح هذا القانون حجر الزاوية في سياسة ترامب الاقتصادية.
فدعونا نستعيد مرة أخرى الخطوط العريضة أو الفلسفة الاقتصادية التي قامت عليها نظرية «الريجانوميكس» نسبة إلى الرئيس الأميركي «رونالد ريجان» 1980-1988. هذه الفلسفة الاقتصادية تقوم على مبادئ الاقتصاد الحر «غير المقيد» والتي تركز على جانب العرض وتم تسميتها في عهد «ريجان» بنظرية «اقتصادات الثمار المتساقطة» أو «اقتصادات انسياب المنافع» TRICKLE DOWN ECONOMICS. وتقوم النظرية على إعطاء حوافز ضريبية كبيرة لأصحاب الأعمال والمستثمرين والمنظمين والأغنياء بصفة عامة. وتكون هذه الحوافز عادة في شكل تخفيضات حادة في الضرائب مع تسريع لمعجلات أهلاك رأس المال وكذلك إعفاءات لأصحاب الدخول المرتفعة في شكل تخفيضات على ضرائب الأرباح الرأسمالية ويمكن أن يصحب ذلك تخفيض في ضرائب المواريث مع تقليل لتكلفة إنشاء وإقامة الشركات الجديدة. هذا كله على أساس أن هذه التخفيضات والمنافع سيقوم رجال الأعمال وأصحاب الدخول المرتفعة بتحويلها إلى توسع في الاستثمارات وإنشاء شركات جديدة مما سيؤدي إلى ارتفاع في الطلب على العمالة وبقية موارد وعناصر الإنتاج وبالتالي زيادة في الأجور والدخول للجميع. وهكذا تنساب المنافع من أعلى (أصحاب الأعمال وأصحاب الدخول المرتفعة) إلى أسفل الهرم (حيث العمالة وأصحاب بقية عناصر الإنتاج من موردين ووسطاء). وتدعي هذه النظرية أن انخفاض حصيلة الضرائب الذي ينجم عن تخفيضها في البداية لأصحاب الأعمال وذوي الدخول المرتفعة سيتم تعويضها بعد ذلك حين ترتفع دخول العمال وأصحاب عناصر الإنتاج الأخرى.
ها هو السيد ترامب يخفض الضرائب بشكل أعنف من مثله الأعلى ريجان (بحوالي واحد ونصف تريليون دولار). التريليون ألف مليار دولار! التخفيض سيتمتع به أولا أصحاب الشركات حيث ستنخفض الضرائب على أرباح الشركات من 35 % إلى 20 %. أما الشركات الصغيرة والتي يمكن دمج أرباحها مع أرباح مالكيها فسيكون الحد الأعلى 25 % بدلا من 39.6 %. وما حدث في عهد ريجان وأتوقع أن يحدث على شكل أوسع وأعمق في عهد ترامب هو الآتي: في البداية تم تحفيز رجال الأعمال على التوسع والاستثمار وزادت معدلات النمو في أميركا ولكن محصلة التجربة أن عجز الميزانية تفاقم وأصبح الدين العام في أميركا عند نهاية حكم ريجان في 1988 ثلاثة أضعاف حجمه عندما تولى الرئاسة في 1980. وبسبب تركيز ريجان على الإنفاق العسكري بسبب منافسته الشديدة للاتحاد السوفياتي وقتها فلقد زاد الإنفاق العسكري بنسب غير مسبوقة (تماما كما يحاول السيد ترامب أن يفعل الآن). ولكن إذا كان ريجان قد أفلح في هزيمة الاتحاد السوفياتي وتقسيمه وجعل أميركا القطب الأوحد في العالم فلا يوجد ضمان الآن على أن ما يقترحه السيد ترامب سيمكن أميركا من هزيمة أعدائها.
ولعل أهم الآثار السلبية التي تركتها سياسة ريجان الاقتصادية والتي لا يبدو أن هناك أي نية على تجنبها إذ يكرر السيد ترامب التجربة هو ازدياد عدد الفقراء في أميركا والتوزيع السيئ للغاية للدخول والثروات. إن الثروة في أميركا تم تركيزها الآن بشكل غير مسبوق في أيدي حفنة قليلة من الأثرياء. ووصل الحد الآن إلى أن 35 % من الثروة في أيدى 1 % فقط من السكان.
والأخطر من ذلك أن تركز الثروات بهذا الشكل يمكن أن يهدد السلم العام والتواؤم الاجتماعي داخل أميركا وعلامات الانقسام باتت واضحة بصعود السيد ترامب لسدة الحكم ومن ثم أخشى أن تتحقق نبوءة كارل ماركس بأن «الرأسمالية ستقوم بتدمير نفسها» من الداخل وعلى يد أفراد مثل السيد ترامب.
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي