كتاب وأراء

فلسطينيو لبنان باتوا رقماً حسياً !

لبنان البلد الصغير فيه خليط من الشعوب والجنسيات والجاليات المختلفة والمتنوعة، لا يعرف عدد أي منها بالضبط. بدءا باللبنانيين أنفسهم الذين تقدر بعض الاحصائيات غير الرسمية ان عددهم يفوق الأربعة ملايين. فلا يوجد أي إحصاء أو تعداد رسمي لأي من المتواجدين على الاراضي اللبنانية. وآخر إحصاء يعود تاريخه إلى زمن الانتداب الفرنسي عام 1932 الذي أظهر ان المسيحيين هم الأكثرية. وهذا أعطاهم الأرجحية في السلطة غداة الاستقلال عام 1943. فيما ان الشائع بالنسبة لعدد الفلسطينيين كان يقارب النصف مليون والتخويف من تأثيرهم في الديموغرافيا اللبنانية. أما السوريون الذين نزح معظمهم مع انطلاقة الثورة في سوريا عام 2011 فما تقدره المنظمات الانسانية يتخطى المليون ونصف المليون. ناهيك عن مئات وآلاف من جنسيات أخرى افريقية وآسيوية من اليد العاملة!
ان كل ما له علاقة بالاحصاء والتعداد السكاني شكل على الدوام نوعا من المحرمات «التابو»، بالأخص بالنسبة للبنانيين والفلسطينيين. الغوص في تحديد العدد هو نوع من فتح لـ«اناء باندورا» الذي يكشف اليوم الغطاء عن أحجام الطوائف والمذاهب التي تنمو وتتكاثر بشكل متفاوت وغير متناغم بين المسلمين والمسيحيين، وبين المسلمين أنفسهم (سنة وشيعة) والمسيحيين أنفسهم، والذي ينعكس على تركيبة السلطة وتوازناتها. أما الفلسطينيون فيتحولون على الفور إلى مادة للتخويف والتهويل من خطر توطينهم في لبنان. واليوم يكثر الكلام عن الخطر الأكبر وهو بقاء معظم النازحين السوريين...
وكانت المفاجأة بالأمس اعلان اللجنة العليا للحوار اللبناني- الفلسطيني المتفرعة عن رئاسة الحكومة اللبنانية تعدادا أجرته للفلسطينيين اللاجئين المقيمين في المخيمات وفي التجمعات المتاخمة. أما المفاجأة الأهم فهي الرقم الذي شكل بمثابة الصدمة: بلغ العدد 174.422 فردا «فقط» خلال عام 2017 يعيشون في 12 مخيما و156 تجمعا فلسطينيا في المحافظات اللبنانية الخمس.
وهكذا، صار لعدد الفلسطينيين في لبنان رقم علمي. رقم لا يحتمل اجتهادا وتقديرا، ولا يمكن إدخاله في بازار السياسة والتهويل والابتزاز والتخويف. انه تعداد شامل لا تتجاوز فيه نسب عدم التجاوب 5.6 في المائة. رعى الاحتفال رئيس الحكومة نفسه سعد الحريري في السراي الحكومي. وأعد الاحصاء بالشراكة بين إدارة الاحصاء المركزي اللبناني والجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني.
ان القاء نظرة مفصلة إلى الارقام تظهر أن حوالي 45 % من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في المخيمات و55 % منهم يعيشون في التجمعات والمناطق المحاذية. ولمنطقة صيدا الحصة الاكبر، ففيها يقيم 35.8 % من الفلسطينيين، تليها منطقة الشمال وفيها 25.1 %. وتبلغ النسبة في منطقة صور 14.7 %. في بيروت 13.4 %. في الشوف 7.1 % وفي البقاع 4 %.
وتظهر النتائج أن هناك تغيرا في التركيبة الديموغرافية لسكان المخيمات. ففي بعضها يفوق عدد غير الفلسطينيين على عدد الفلسطينيين كما في مخيم شاتيلا مثلا. ففيه 7.57 % من النازحين السوريين مقارنة مع 7.29 % من اللاجئين الفلسطينيين. كما بلغت نسبة النازحين في مخيم برج البراجنة 9.47 % مقارنة مع 8.44 % من اللاجئين الفلسطينيين. والمخيمان في ضاحية بيروت الجنوبية. اما في مخيم مار الياس غرب العاصمة تبين أنه يوجد 39 % نازحين سوريين، وفي مخيم البداوي في الشمال 4.34 %. كما تبين أن حوالي 4.9 % من اللاجئين الفلسطينيين يملكون جنسية غير الجنسية الفلسطينية.
فهل تجاوز لبنان انقساماته حول الفلسطينيين واوضاعهم، تارة بفعل الاحكام المسبقة وطورا بحكم المخاوف المتبادلة. من «دولة أبو عمار» في الثمانينيات إلى البؤر الأمنية الإسلامية و«الممانعة» اليوم! كيف أصبح ممكنا اليوم اجراء احصاء واعلان نتائجه المفاجئة ولم يكن ممكنا في السنوات الماضية؟

بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان