كتاب وأراء

قطع وقطيع وقطاع

يبدو العرب كأفراد أشبه بالقطع وكمجموع أشبه بالقطيع. والقطع لوحدها لا تبني قوة. أما القطيع بشكله التقليدي المنساق فلا يحقق احتراما. كأفراد هم ذرات مبعثرة وأحجار متفرقة ليست لها قيمة. قطع متناثرة لم تجمعها على مر السنين غير قوتين. قوة العصبية وقوة الاستبداد. جاءهم الإسلام ووصلتهم الحداثة. لكنهم دسوا فردياتهم الجاهلية في عباءة الدين مثلما أخفوها وراء ستار الحضارة. بقوا أعداداً وقطعاً متفرقة لا تجتمع على مشروع عقلاني ناهض وإنما فقط عندما تناديهم العصبية أو يخيفهم سوط الطاغية.
وما تزال قوة العصبية حية بينهم برغم أكثر من ألف سنة إسلام وقرنين من التحديث.
لم يعتصموا برسالة الإسلام الجامعة ولا تعلموا من الحداثة كيف يكون الوطن للجميع وليس للمستطيع. إلى اليوم يتجمعون مع بعضهم ويشتبكون ضد بعضهم عندما تناديهم القبيلة والعشيرة والقرية وكل الانتماءات الطائفية واللغوية والمذهبية والعرقية الضيقة. تجاهلوا الدين والوطن وكل ما فيهما من روابط رحبة بل وصبغوا عليهما روحاً جاهلية تتعصب بضيق وتكره بتزمت وتقتل بحماقة.
أما القوة الثانية أو الاستبداد فحرصت على أن يبقى الناس قطعا بشرية وأشلاء لا تلتئم في جماعة فاعلة حتى لا تتحدى قبضة السلطة. وإذا تطلبت الضرورة تجمعهم فليس إلا بأمرها. تجتمع فقط لتمتدح وتتبع. أما لو حاولت أن تجتمع لتُصلح وتصحح فليس لها إلا السيف حتى ترجع قطعاً، هذا إذا كان السيف رحيماً، أو لتُمحى من الوجود، إذا كان السيف أليماً.
القوتان معاً، العصبية والاستبداد، يفضلان القطع البشرية ولا يقبلان بفكرة المجتمع الكبير وما تفرضه على السلطة من احترام لكرامة الإنسان. يفضلان تجمع على شكل قطعان تساق وتتبع على مجتمع يختار ويقرر. وما بين القطع والقطيع جرى التاريخ. تكونت مجتمعات بالاسم لكنها لم تزد عن تجمعات من قطع مسلوبة الإرادة أو قطعان.
والقطع بمفردها، أي الأفراد، لا يستطيعون حتى في المجتمعات الديمقراطية أن يغيروا شيئاً ما لم يلتئموا معاً. فما المنتظر منهم لو حاولوا في ظل نظم يعتبر بعضها تجمع أكثر من خمسة تظاهرة يجرمها القانون؟.
إن مساحة الحركة أمام القطع البشرية في المجتمعات المخنوقة سياسياً ضيقة للغاية. والمساحة أمامها لو فكرت في تكوين قطيع غير الذي يريده الراعي أكثر ضيقاً. وقد جرب العرب التغيير عن طريق القطع البشرية الفردية فلم ينجزوا شيئاً. وتجرأوا وخرجوا في قطعان تخالف إرادة الراعي فلم يبلغوا بالمثل جديداً. لم يكن المصلحون العرب الفرادى قلائل. لكنهم كتبوا في التاريخ كقطع. صحيح أن لهم بصمات مهمة على الورق إلا أنها لم تؤسس لحالة تغيير واحدة طبقت فكرهم الرشيد ودعواتهم الناهضة ومشروعاتهم الطموحة. طه حسين ومحمد عابد الجابري وعبد النور بيدار ومالك بن نبي مجرد أسماء لامعة لكنها بقيت قطعاً لا تنجز ولا تحفز على ظهور قطيع جديد يختلف عن القطيع الحالي المغيب تحت سطوة الاستبداد.
وحتى عندما خرجت ملايين القطع معاً بتلقائية في محاولات ثورية لتشكيل قطعان جديدة تسعى إلى التغيير جرى إعادتها بسرعة فائقة إلى ما كانت عليه: قطع مبعثرة. وتاريخ المنطقة هو الأكثر في العالم امتلاءً بالثورات الفاشلة. المنطقة طابعها رعوي لا يسمح إلا بقطيع واحد يهتف للسلطة. وأي قطيع آخر ينتقدها أو حتى ينصحها فليس له إلا العصا.
هذا الفشل المتكرر سواء للقطع أو للقطيع سيظل يتكرر طالما لم تمر القطع بمرحلة انتقالية لا يمكن من غيرها أن يظهر قطيع جديد يختلف عن القطيع التقليدي الذي اعتاد أن يسمع بلا فهم ويطيع بلا تدبر. المنطقة تحتاج إلى قطاع بشري حيوي يعرف كيف يجمع القطع بشكل مختف. قطاع يلغي روح القطيع البائس التابع الخامل المنكسر ليؤسس لقطيع جديد أرقي في ذهنيته السياسية والقانونية والمعرفية. قطيع يؤمن بأن القطيعة مع العصبية والاستبداد لا مفر منها للتخلص من حالة الضعف التي نهشت كل جسد عربي.
قطاع يتكون من قطع بشرية نابهة طويلة النفس تُعرّف جموعاً واسعة من العرب بالمعنى الإيجابي للقطعان. ولا ضير من حيث المبدأ من فكرة القطعان. فالعالم كله كان وسيبقى مؤلفاً من قطعان. لكن كثيراً من تلك القطعان عرفت كيف تزيد فعاليتها وتُحسّن مكانتها عندما تحولت من قطعان تتبع الراعي إلى قطعان تتبع القانون. وقد حققت ذلك لما تمكنت قطاعات رائدة فيها من جمع القطع بشكل جديد احتفظ لكل منها بفرديتها لكن ضمن مجموع كبير يخضع للقانون ويفرض على الحاكم ما يفرضه على المحكوم. هذا القطاع ما يزال غائباً في بلادنا العربية. إنها نخبة جديدة لم تتكون بعد. قطاع غائب وفصيل منتظر. قطاع يقوم بتوظيف القطع وتطوير القطيع. لا يطلب حظه من الضوء والمال وإنما نصيبه من التأثير.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات