كتاب وأراء

كسر العصا الأميركية

- 1 -
ما حدث في الاجتماع الطارئ للجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام، يُوضِّحُ أن الولايات المتحدة الأميركية، تمضي في اتِّجاه العزلة والانغلاق الإجباري على ذاتها.
واشنطن، وضعت نفسها بكُلِّ صلفٍ وغرورٍ أمام الإرادة الدولية، واستخدمت في معركتها الدبلوماسية أسلحة قذرة، لا تليق بدولة كبرى ظلَّت ترفع راياتٍ وشعاراتٍ براقة، تتجمَّل بها أمام المرآة العالمية.
لن تستطيع خليلتُها إسرائيل وبعض الدول الهامشية الصغيرة، التي صوَّتت لصالحها، أن تفكَّ عنها طوق العزلة، ولا أن تُخفِّفَ عنها وحشة الانزواء بعيداً عن مسار أغلب دول العالم التي لم تُخضِع القضايا العادلة لمعادلات الربح والخسارة.
العالم أجمع، رأى الدولة الموصوفة بالعظمى، لا تملك من أدوات الإقناع سوى سلاح التهديد الوقح، بقطع المساعدات والمساهمات في اشتراكات المنظمة الدولية.
- 2 -
الرئيس الأميركي غريب الأطوار، يُريد أن يُدير العالم، ويتحكم في المواقف والخيارات عبر سلطة الدولار والتلويح بالعقوبات المالية.
أكبر دليل على ذلك ما قاله عشية التصويت: «يأخذون مئات ملايين الدولارات وحتى مليارات الدولارات، ثم يُصوِّتون ضدّنا»، مضيفاً في تهديد واضح: «دعوهم يصوّتون ضدّنا، سنقتصد الكثير (من المال)، والأمر سيان بالنسبة إلينا».
كانت نتائج التصويت عاصفة وصافعة، جاءت لتؤكد أن الوجدان العالمي يرفض المنهج الأميركي في تسيير الدول إلى ما تُريده واشنطن من باطل عبر عصا العقوبات.
128 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، صوّتت لصالح قرار يدعو الولايات المتحدة إلى سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، فيما اعترضت 9 دول ليست ذات وزن وذكر، وامتنعت 35 دولة عن التصويت لصالح القرار وفي ذلك موقف مزدوج، واحتجاج صامت على القرار الأميركي وتجنبا لقطع المساعدات.
سبع دول فقط اختارت على استحياء ورهبة الوقوف إلى جانب الصلف الأميركي.
- 3 -
السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، بطريقة طفولية ساذجة، قالت إنها قبل التصويت ستخبر الرئيس الأميركي بقائمة الدول التي صوَّتت لصالح القرار.
وأضافت لسامعيها: «إن واشنطن لن تنسى هذا اليوم الذي تُهاجَم فيه بالأمم المتحدة لأنها مارست حقها كدولة ذات سيادة»، مُذكِّرةً بخُبْثٍ خطيرٍ بأن الولايات المتحدة هي أكبر مُساهم بالأمم المتحدة، وكانت تتوقَّع أن تقابَل بالامتنان والتقدير.
وأردفت قائلة: «سنتذكره حين سيطلبون مِنَّا مُجدِّداً دفع أكبر مساهمة (مالية) في الأمم المتحدة، وسنتذكره حين ستطلب منا دول عدة، كما تفعل غالباً، دفع المزيد واستخدام نفوذنا لصالحها».
- 4 -
وضح للجميع أن النتيجة النهائية لتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، مثَّلت انتصاراً معنوياً كبيراً ضدَّ الصَّلَف والعنجهية الترمبية.
ورصد مراقبون دلالات نتائج التصويت:
لم تشذ دولة مسلمة واحدة عن هذا الإجماع رغم التهديد، وفي ذلك نقل لقضية القدس إلى مقامها ووضعها التاريخي الصحيح، باعتبارها قضية مقدسة لا تقبل المساس أو التراخي في الحفاظ على قيمتها الأخلاقية والقانونية.
لم تقف دولة أوروبية واحدة إلى جانب الولايات المتحدة، وهذا تعبيرٌ حقيقيٌّ عن تململ أوروبا من سلوك وسياسة الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن نفوذ كليهما الطاغي على القارة العجوز تراجع وفي طريقه للانحسار.
وهذا الموقف يُعبِّر كذلك عن مخاوف الأوروبيين من المساس بالاستقرار الدولي من خلال استفزاز المسلمين، ودفع منطقة الشرق الأوسط إلى مزيد من التطرف والعنف، والذي سيطال أوروبا أثرُه بأكثر من الولايات المتحدة.
فالأوروبيون يفهمون أهمية القدس للمسلمين والمسيحيين على السواء في هذه المنطقة.
في التصويت تراجع حلفاء تاريخيون للولايات المتحدة، مثل كندا واستراليا عن دعمها والوقوف إلى جانبها.
لم تجد الولايات المتحدة وإسرائيل سنداً معلناً، إلا بعض دول أميركا اللاتينية الهامشية كهندوراس وجزر الكاريبي الصغيرة.
وضح كذلك وجود إجماع إفريقيٍّ كبيرٍ في مناصرة القضية الفلسطينية، لم تشذ عنه سوى توغو وغينيا الاستوائية.
ودول معلومة بمساندتها لإسرائيل اختارت الصمت كجنوب السودان وملاوي.. وأخرى صوتت ضد القرار كبتسوانا.
-أخيراً-
المُحصِّلة النهائية لنتائج تصويت الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أن واشنطن فقدت هيبتها الدولية في مقابل كسب رضا دولة صغيرة تُحاصرها لعنة التاريخ، ويُهدِّدُها المستقبل بالزوال.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال