كتاب وأراء

حكايات المقعد الخلفي (2)


أخذت كورنيش بيروت ذهاباً وعودةً ثم رجعت للنزل في تاكسي، وقد شكرت السائق لهدوئه، صعدت لغرفتي وسرعان ما وبخت نفسي لنسياني طلب رقم هاتفه، إذ لربما احتاجه في مشاوير أخرى.
صعدت لغرفتي مشتاقة لعناق النوم، لكني اتصلت بموظف الاستقبال وأوصيته أن يوقظني في السادسة صباحاً فإن لم استيقظ فليهد المعبد فوق رأسي حتى أصحو.
أيقظني نادر في السابعة، فتهيأت واحتسيت قهوتي، ثم انتظرت السائق ببهو الفندق وقد حضر في موعده.
بالمقعد الخلفي جلست، وما أن خطا بالسيارة خطوتين حتى وجدته يعود للخلف، فاستفسرت: ما الأمر؟
فرد: أستذهبين لـ «بشريّ» بهذا الجاكيت؟ درجة الحرارة هناك تصل للصفر.
فعدنا للنزل وأسرعت بإحضار معطف ثقيل.
المفارقة أنني جئت لبنان بحثاً عن أعتى رجال الرومانسية وأكابر من كتبوا في الأخلاق والروحانيات، إلا أنني قابلت أشد الناس التصاقاً بالمادة.
من المقعد الخلفي لم أتمكن من التفاهم مع محمد، كون لغته الوحيدة كانت لغة المال، فهو ككثر من سائقي التاكسيات لا يفكرون سوى في كيفية التنقيب داخل جيبك لاستخراج الدولارات. ورغم أن الاتفاق المسبق كان على مبلغ مائة دولار باليوم، للذهاب لجونيا وحريصة وبشري مروراً باهدن، لكنه ظل يماطل طوال الطريق على هذا النحو الممج: «يعني بتيجي على بيروت وما تشوفي كازينو لبنان، ما انه محرز مشوار بشري. أنا نفسي عمري ما رحت على بشري، الله يرحمه كان شو اسمه الزلمة اللي انت معذبة حالك ومسافرة من شان تزوريه؟»
هنالك تأكدت- كما عروس في الصباحية- أن اختيارها كان غير موفق، ولكني تابعت الرحلة كما تستمر الزيجات رغم التأكد من كونك مع الشريك الخطأ.
: دخيلك، ما قلتيلي شو اسم المرحوم؟
: جبران وأرجوك أتركني أشاهد البلد، فأنا من عشاق الجبل
: على راسي، لكن في أماكن ومطاعم جميلة ببيروت، أنا عم أوصل سياح لها وما بيندموا.
: لكني سأندم لو لم أزر بيت جبران.
: دخيلك من شان افهم، هو ضريح؟
: لا هذا بيته وتحول لمتحف
:عموماً لازم أحذرك، البلد كلها مسيحيون.
: عارفة، ممكن تتركني أشاهد الأيقونات والطبيعية
: ولو، تفضلي لكن ممكن يكون الثلج مغطي الأرض
: عارفة، ولا أحلى من الجليد في لبنان، يا محمد لبنان سميت بهذا الاسم لأن الجبال في الشتاء تكتسي كلياً بالجليد فتصبح شبيهة باللبنة.
هنا التفت لي، وقال: عم تحكي جد؟
قلت: أولم تكن تعرف؟
قال: لا، يظهر انت واخدة الموضوع جد. لكن المشوار هيتعبك وهلا بتشتي وما بشوف بالليل، دخيلك بيكفي اهدن.
فأجبته: الموضوع غير قابل للنقاش..
صمت متأففاً ثم سألني عما لو كنت قد تريقت، ففهمت أنه لم يتناول فطوره، وطلبت منه التوقف لدى أقرب مقهى،
نزلت واشتريت مناقيش وقهوة فشكرني.
فأردفت: الشكر الحقيقي أن تتركني أتأمل الجبل في صمت ولو لساعة.
لم تمض دقائق ونحن على أعتاب اهدن وإذ بمحمد يقف ويخبرني أن هذه هي «بشري» وأنه يريد العودة، فأخبرته أننا اقتربنا من اهدن وأننا ما ال أمامنا بعض الوقت للوصول لوجهتنا وأنكرت عليه خداعه، فما كان منه إلا أن ذهب لدكان على الطريق ورجع مع صاحب الدكان وقال له: دخيلك خي، اقنع الست أن الدنيا عم تشتي وان اهدن من بشري ما يتفرق كتير!
لكنني صممت على المضي.
تابع السائق السير ساخطاً، فتجاهلته كوني كنت منتشية بالطريق والتماثيل الجيلية، كذلك استهوتني الحوانيت القديمة المصفوفة في بقاع الجبل.
لكن للأسف التف محمد بالسيارة معلناً أنه قرر بإرادة منفردة العودة لبيروت وكاد يبكي متوسلًا ألا أكون غاضبة لكنه يرى أن الوجهة بالنسبة له ليست ذات أهمية. ثم اتصل بزوجته وأخبرها أنه سيعود خلال ساعة، ثم سأل عن الوجبة المعدة.
قررت العودة لجبران في الغد مع خصم نصف الأجرة من السائق الذي بلغ من البلاهة أنه سألني: أتريدينني معك في الغد؟
أجبته: هذا فراق بيني وبينك.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي