كتاب وأراء

مؤشرات ما يجري في كردستان العراق

تأخذ الاعتمالات الجارية في مناطق كردستان العرق أبعادا هامة جدا، فهي بمثابة التحدّي الواضح والصريح للقيادات التقليدية الكردية، وللحزبين الكبيرين المُهيمنين تاريخا على الحالة السياسية وسط أكراد العراق: الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني، فقد استهدف المحتجون مقرات الحزبين في مدينة السليمانية ومختلف مناطقها، حين تم احراق العديد منها، وهو ما اعتبرته بعض قيادات الحزبين بمثابة مؤامرةٍ على وحدة الإقليم تقودها قوى انسحبت من الحكومة الاتحادية.
وفي حقيقة الأمر، يقود تلك التظاهرات والفعاليات على الأرض مجموعات من الناشطين من الشباب الكردي، غالبيتهم من المُستقلين ومن غير المنتمين للأحزاب، يدعمهم حزب (الجيل الجديد) بقيادة شاسوار عبد الواحد، في صرخة احتجاجٍ وتذمر من سطوة الحزبين التقليديين، ومن نفوذ القيادات التقليدية التي غامرت مؤخرا في فترةٍ سابقةٍ بالموافقة على لعبة الاستفتاء، في ظل معادلةٍ شديدة التعقيد يعيشها العراق، وقد ارتدت نتائج مغامرة الاستفتاء سلبا على الأكراد وعلى شؤون وحياة الناس في كردستان العراق بعد سلسلةٍ من الإجراءات التي اتخذتها حكومة حيدر العبادي للحفاظ على وحدة التراب العراقي، وإعادة السيطرة على الثروات النفطية المنهوبة على يد الفاسدين في مناطق كركوك وغيرها.
ومما لاشك فيه، فإن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها أبناء إقليم كردستان العراق، تلعب دورا هاما وأساسيا في تلك الحراكات والاحتجاجات الجارية على الأرض، وقد زادت من عوامل نشوب ما يجري تلك المُعلومات المتسربة عن مستويات الفساد غير المسبوقة في الإقليم وتورط مسؤولين كبار في تلك الملفات، ومنها استفادتهم من نفط الإقليم المُصدّر عن طريق تركيا بشكلٍ منفرد بعيدا عن المركز، ولصالح ملء جيوب مجموعةٍ من قيادات الحزب الديمقراطي، عدا عن سوء الإدارة والهدر مع بلوغ قيمة الديون المترتبة على حكومة إقليم كردستان نحو 25 مليار دولار.
وعلى خلفية تلك الملفات المتعلقة بالفساد، وبالموازاة مع حركة الشارع ونزول الأجيال الجديدة من الشبان المناهضين لحكومة الإقليم، أعلنت حركة (التغيير) و(الجماعة الإسلامية) عن إيقاف مشاركتهما بحكومة الإقليم، وهما جهتان مُتهمتان من قبل الحزبين الكبيرين باثارة الفتن، والوقوف وراء ما يجري من تظاهراتٍ واحتجاجاتٍ في مدينة السليمانية ومختلف مناطقها.
المشكلة الثانية في هذا السياق، تأتي في ظل التهرب المقصود من قبل رئيس الإقليم السابق مسعود البرزاني من الاستحقاق الدستوري المطلوب لانتخاب رئيسٍ جديد للإقليم، فقد مضت عدة سنواتٍ على هذا الاستحقاق، وقد جرى مؤخرا تحديد الموعد القادم لانتخاب رئيسٍ جديد للإقليم، والمعلومات المتسربة تشير هنا إلى أن حركة الناشطين من الشبان جاءت أيضا لكسر المعادلة التقليدية التي تحصر الترشح لقيادة الإقليم بين الحزبين التقليديين.
على كل حال، إن سوء الإدارة السياسية لقضايا اقليم كردستان، من قبل الحزبين الكبيرين، وخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، أوقعت أكراد العراق في مصيدة القوى الإقليمية المحيطة بها من كل الجوانب، وغير المحيطة، والمقصود هنا القوى الكبرى النافذة في ازمات المنطقة.
إنّ الحكمة تقتضي الآن من القيادات الكردية في الشمال العراقي التعقّل في حل الاستعصاءات القائمة بالإقليم، والانطلاق نحو خياراتٍ أنجع وأكثر براغماتية من أجل مصلحة اكراد العراق في إطار وطنٍ واحدٍ وموحّد، وحكم ذاتي مُتقدم لهم في الشمال، وتطوير أداء حكومتهم وبرلمانهم الخاص، وانتخاب رئيس جديد للإقليم.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان