كتاب وأراء

لأجل ماذا؟

وصلنا إلى الباب، قرعته، فتح الباب رجل نحيل أنيق مرهف، تكاد تشم رائحة الفن تعبقُ من جسده، وكأنه خُلق ليبدع... ليبدع أعمالا رائعة باستمرار، دون أن يزعجه شيء في الحياة، لا وجع الأسنان، ولا اهتزاز الثقة بالنفس، ولا قلة الحظ، كان واحدا ممن تبدو عليهم هيبة العباقرة، بينما كنتُ أبدو مثل غاسل الأطباق، ولذلك أستاءُ قليلاُ عندما أصادفُ رجلا مثله!! قلت له: جئنا لكي نأخذ الملابس المتسخة إلى المغسلة، تدخلت زوجتي: دعك منه، المخرج طلب حضورنا» وردت هذه السطور في الصفحات الأولى لرواية «هوليود» لتشارلز بوكوفسكي، والتي روى فيها كل المواقف التي صادفته منذ اللحظة التي تم تكليفه فيها بكتابة سيناريو لاحدى روايته، وحتى عرض الفيلم، ولم يتورع عن ذكر كل من التقى بهم، وكل الحكايات التي لا تحُكى، طبعا بعد ان قام بتغيير الاسماء، وان لم يكن هناك ضرورة لذلك، إذ كان من السهل معرفة الاشخاص الذين التقى بهم ووصفهم بدقة شديدة وصراحة أشد، أنهيت قراءة هذا الكتاب الساخر في ساعات قليلة وبدأت رحلة البحث عن المزيد من كتبه، والتي كتبها جميعا بعد أن تجاوز الخمسين، وقبل ذلك نشر الكثير من القصائد التي لفتت انتباه صاحب مؤسسة صغيرة للنشر، فأرسل له رسالة يعرض عليه فيها ان يستقيل من عمله ويتفرغ للكتابة مقابل أجر شهري «مائة دولار»، لم يفكر «بوكوفسكي كثيرا في ضآلة المبلغ المعروض، كان أمامه خياران كما قال: إما ان يبقى في عمله ويصاب بالجنون، أو يتفرغ للكتابة ويجوع» فاختار الجوع، وأرسل ردا يتضمن بالاضافة إلى قبوله للعرض قناعاته الخاصة التي سبق وطرحها في الكثير من قصائده: «شكرا على خطابك الجميل، لا يوجد عيب في ان يتذكر المرء أحيانا من أي موضع جاء، وانت تعرف الأماكن التي جئت منها، حتى الذين يحاولون أن يكتبوا عن ذلك، أو ينتجون أفلاما عنه، لا يصيبون الحقيقة، يسمونها وظيفة نهارية، وماهي مطلقا بوظيفة نهارية من التاسعة إلى الخامسة، فما من استراحة غداء مثلا في تلك الاماكن، بل يتوجب على من يريد ان يحافظ على وظيفته ان يمتنع عن تناول الغداء، وبعد ذلك الوقت الاضافي وان تذمرت هناك مصاص دماء جاهز دائما ليحل محلك، وانت تعلم مقولتي القديمة «لم يتم الغاء العبودية قط، بل توسعت فقط لتحتوي على جميع الاعراق» والأكثر ايذاء تناقص الانسانية باطراد في من يقاتلون حفاظا على وظائف هم لا يريدونها ولكنهم خائفون من البديل، يخشون التغيير، ومع الوقت يتحولون إلى أجسام ذات عقول خائفة مطيعة، تفقد العيون بريقها، تصبح الاصوات خشنة وقبيحة، والشعر والأظافر وكل شيء، في شبابي لم أكن أصدق أن يستسلم الناس لهذا الوضع، وفي شيخوختي ما زلت لا أصدق، لأجل أي شيء يفعلون ذلك، راتب ثابت- سيارة– تليفزيون- أم من أجل الاطفال؟ أطفال سيكررون ما فعله آباؤهم حين يكبرون، في وقت مبكر من حياتي كنت انتقل من وظيفة إلى وظيفة، أتذكرمرة وأنا أعمل في قسم التغليف بمصنع الكهرباء ان أحد المغفلين قال فجأة «لن أصبح حرا قط» وصادف ان أحد المشرفين كان مارا فسمع الجملة وأطلق ضحكة صاخبة وكريهة مستمتعا بأن ذلك الزميل واقع في شركه مدى الحياة، والآن سأصبح كاتبا محترفا كما يقولون، بعد ان ضاعت خمسون عاما من حياتي،، إن الحظ الذي حررني من وظائف لم أحبها يوما أعطاني فرحة صاخبة، انا الآن أكتب من عقل عجوز وجسد عجوز، ولكن ما دمت بدأت متأخرا فأنا أدين لنفسي بالاستمرار وعندما تبدأ الكلمات في التلاشي، ويصبح لابد من مساعدتي في صعود الدرج، ولا أعود أميز الطائر الأزرق من مشبك الورق الأحمر، سأظل أشعر بالفرح والسكينة لأنني تركت الفوضى والقتل والسرقة واخترت لنفسي طريقة أرق للموت، وعدم تضييع المرء حياته كلها يبدو إنجازا غير قليل، ولو لنفسي» وبعد تلك الرسالة كتب روايته الأولى «مكتب البريد» التي تحدث فيها عن عمله كساعي بريد لمدة عشر سنوات، وحققت تلك الرواية شعبية كبيرة في جميع أنحاء العالم، وترجمت إلى خمس عشرة لغة بعد صدورها بوقت قليل، وتلتها كتب اخرى لاقت نفس النجاح، وكان بطلها هو نفسه، واعترف هو بذلك قائلا: «إن كل ما كتبته بنسبة 93% عني وعن حياتي الشخصية، أما السبعة المتبقية فكانت لتحسين صورتي لا أكثر».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري