كتاب وأراء

القدس ضاعت منذ زيارة السادات لها

لا أظن أن قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل هو الذي تسبب في ضياع القدس من أيدي العرب، لأنها في حقيقة الأمر ضاعت قبل ذلك بسنوات طويلة، وتحديدا منذ أن قرر السادات الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وقام بزيارة القدس في نوفمبر 1977. فقبل سنوات من قيامه بهذه الزيارة المشؤومة، روج السادات كثيرا لمقولة أن الولايات المتحدة تملك 99 % من أوراق الحل، واستخدم هذه المقولة كمبرر للدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عقب حرب أكتوبر 73 مباشرة، تحت رعاية أميركية منفردة وبقيادة هنري كيسنجر شخصيا.
مستبعدا أي مشاركة في العملية التفاوضية من جانب المجتمع الدولي ممثلا في الأمم المتحدة، ومستبعدا أيضا كلا من الاتحاد السوفياتي والمجموعة الأوروبية رغم الأهمية القصوى لمشاركتهما في ذلك الوقت.
بعد أربع سنوات من رعاية أميركية منفردة لمفاوضات غير مباشرة، تمكنت إسرائيل خلالها من التوصل إلى اتفاق ثان لـ «فض الاشتباك» على الجبهة المصرية، ضمنت بموجبه عدم لجوء مصر إلى الحرب مجددا، بعد أن أعلنت أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب وتعهدت باللجوء إلى الوسائل السلمية وحدها للتوصل إلى تسوية نهائية للصراع العربي- الإسرائيلي، اكتشف السادات أن المفاوضات غير المباشرة استنفدت أغراضها، خصوصا حين أوحت له الولايات المتحدة أنها لا تستطيع مواصلة دورها كوسيط إلا إذا أقدم السادات على خطوة غير تقليدية، فكان قراره بزيارة القدس.
من المهم جدا أن نتذكر هنا أن السادات لم يقرر زيارة القدس إلا بعد لقاء جرى في الرباط بين مبعوثه الشخصي، حسن التهامي، وموشى ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي، برعاية وحضور الملك الحسن الثاني، ملك المغرب. فقد تعرف السادات من خلال هذا اللقاء على حقيقة الموقف الإسرائيلي المصر على مفاوضات مباشرة مع كل دولة عربية على حدة، والرفض للدخول في مفاوضات مع الدول العربية مجتمعة، ولفكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة من حيث المبدأ أو الانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة عام 67. معنى ذلك أن السادات قرر زيارة القدس اعتقادا منه أنها ستمكن الولايات المتحدة من:
1- ممارسة ما يكفي من الضغوط على إسرائيل لحملها على قبول تسوية تستجيب للحد الأدنى من المطالب العربية، أو
2- تحسين شروط التسوية مع مصر في حال ما إذا وجد نفسه مضطرا في نهاية المطاف إلى إبرام تسوية منفردة مع إسرائيل. وقد اكتشف السادات في مؤتمر كامب ديفيد الذي رعاه جيمي كارتر أن الولايات المتحدة إما غير راغبة أو غير قادرة على الضغط على إسرائيل للتوصل إلى تسوية تستجيب للحد الأدنى من المطالب العربية، خاصة الفلسطينية، فقبل الدخول في حل منفرد، وكان هذا بداية الكارثة بالنسبة لمصر والمنطقة العربية ككل.
خروج مصر من معادلة الصراع المسلح مع إسرائيل كان معناه استحالة اندلاع حرب شاملة مع إسرائيل، على غرار حرب 48 أو حتى 73، ومن ثم راحت إسرائيل تواصل ضغطها للاستفراد بكل طرف عربي على حدة، أما الولايات المتحدة فقد تكفلت من ناحيتها بالعمل على الحيلولة دون قيام جبهة عربية قادرة على الصمود في وجه إسرائيل، ومن ثم أغوت صدام بالدخول في حرب مع إيران، أو كان لديه من قصر النظر ما يكفي لإغرائه بالدخول في هذه الحرب، وبعد توقف تجرع الخميني «كاس السم» أغوته، أو كان لديه من الحمق ما يكفي لاحتلال الكويت، فسنحت الفرصة أمام الولايات المتحدة لإخراج العراق بدورها ليس فقط من معادلة الصراع العربي، وإنما من معادلة القوة العربية ككل. وتكفلت حرب «تحرير الكويت» بتهيئة الأوضاع الإقليمية لسادة نهج المفاوضات المباشرة والتسويات المنصلة برعاية أميركية منفردة. وفي هذا السياق أقدمت منظمة التحرير على إبرام «اتفاقية أوسلو» التي كانت البداية الفعلية لتصفية القضية الفلسطينية وضياع القدس.
لن يستعيد العالم العربي القدس إلا بتغيير نهج السادات في التسوية، وإعلان نهاية أوسلو ونهاية الرعاية الأميركية المنفردة لعملية التسوية، وتبني استراتيجية فلسطينية موحدة لإدارة الصراع مع إسرائيل تجبر العالم العربي والإسلامي على الانخراط فيها.
بقلم: د. حسن نافعة

د. حسن نافعة