كتاب وأراء

الصواريخ .. سلاح الضعفاء في الردع

حجم الإنفاق العسكري الأميركي والأوروبي والروسي والإسرائيلي والهندي يفوق الخيال، لاسيما علي تطوير الأسلحة الفتاكة والذخيرة التي تؤدي إلى مزيد من الدمار والخراب، وقد حولت روسيا والولايات المتحدة بأسلحتها، التي لم يُكشف عن كثير منها، كلاً من سوريا وأفغانستان والعراق إلى أطلال بسبب هذه الأسلحة والذخائر المتقدمة، لكن الدول الضعيفة لجأت إلى سلاح توازن به رعب التصنيع العسكري لهذه الدول المتقدمة وهو سلاح الصواريخ.
فكوريا الشمالية، رغم الحصار الشديد الذي تتعرض له، فإنها نجحت في تطوير صواريخها بشكل أزعج الولايات المتحدة إلى حد كبير، رغم بعد الولايات المتحدة آلاف الأميال عن كوريا، وقد وصل الانزعاج الأميركي إلى درجة إعلان وزير الخارجية الأميركي تيلرسون مؤخراً عن رغبة بلاده في الجلوس مع الكوريين من أجل التفاوض، مما يعني أن صواريخ كوريا هي التي أجبرت الولايات المتحدة على التفكير بهذه الخطوة التي تعارضت مع تصريحات ترامب العنترية ضد كوريا، كما أصبحت الصواريخ الكورية ونماذجها تصنع في دول كثيرة مثل إيران، علاوة على أنها أصبحت مصدراً كبيراً للتجارة لدول مثل مصر أو تجار السلاح الكبار بها على وجه التحديد، التي احتجت الولايات المتحدة مؤخراً على قيامها بالتعامل مع كوريا في مجال شراء وبيع صواريخها إلى أطراف أخرى، ونشرت تقارير قبل عدة أشهر تفضح هذه العلاقة، ولعل هذا يعيدني إلى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي حينما كان المشير محمد عبدالحليم أبوعزالة وزيراً للدفاع في مصر وأدرك أبوغزالة أهمية تطوير سلاح الصواريخ المصري للقيام بدور الردع في مواجهة إسرائيل في ظل تقدمها العسكري والدعم الأميركي اللامحدود لها، وكلف أبوغزالة فريقاً مصرياً يرأسه اللواء الدكتور حسام خيرت، أستاذ الصواريخ في الكلية الفنية العسكرية، والدكتور عبدالقادر حلمي، العالم المصري الذي كان يعمل في وكالة ناسا في الولايات المتحدة، للقيام بهذه المهمة، ونجح الفريق إلى حد كبير لولا اختراق من الموساد الإسرائيلي عبر أخطاء النقل اللوجستي لشحنة من المواد العسكرية تم ترتيبها من شركات أميركية دون علم الإدارة الأميركية ودفع أبوغزالة منصبه ثمناً لهذه المحاولة التي ربما أفرد لها مقالاً منفصلاً، وقد روى لي اللواء حسام خيرت قبل وفاته تفاصيل هذا المشروع الكبير الذي لو تحقق لسبقت مصر إيران بمراحل في صناعة وتطوير الصواريخ ولكانت قوة ردع كبيرة لإسرائيل وغيرها. ويكفي أن نعلم خطورة سلاح الصواريخ أمام قوة إسرائيل الكبرى من خلال صواريخ حزب الله التي استخدمت في حرب العام 2006 والتي أجبرت إسرائيل علي عقد هدنة في النهاية بعدما عجزت قبتها الحديدية الصاروخية التي أقامتها عن صد أكثر 75% من الصواريخ التي أطلقت من جنوب لبنان.
والأمر نفسه حدث مع إسرائيل في حروبها مع حماس حينما عجزت عن صد تلك الصواريخ العشوائية المصنعة يدوياً لأن أقوى الأسلحة في الحروب هي الأسلحة التي يعجز الخصم عن صدها أو إبطال مفعولها أو مواجهتها، ولعل المواجهة الأخيرة بين الحوثيين والرياض واستخدام الحوثيين الصواريخ لتهديد المدن الكبرى يدفع الدول التي تأخرت كثيراً في صناعة السلاح أن تسعى لتصنيع وامتلاك الصواريخ؛ فهي سلاح الضعفاء في الردع.

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور