كتاب وأراء

التفلسف بالمطرقة


تكلم نيتشه يوماً عن «التفلسف بالمِطْرَقَة »، أي طَرْق ما يُركَن إليه من أفكار واعتقادات متوارثة تُشبه أصناماً فارغة، فطرقها يجعلها تحسّ –هي- بفراغها وخوائها! نحن اكتشفنا طريقة شبيهة لطريقة نيتشه، لكننا لم نصل إليها بالتأمل والمنطق والحجج، وصلنا إليها بالحدس وربما بالغريزة فقط، فنحن طبيعتنا شعراء نُقّدم العاطفة على المنطق، والوجدان على العقل، فلهذا نعتقد أن النقد –مثلاً- لابد أن يكون مباشراً كي يصل ويُؤلم، ولم ندرك بعد أن حتى الصدق ذاته يتطلّب أن يكون لبقاً ولائقاً؛ كي لا يفقد روحه الجميلة! مقابل «التفلسف بالمطرقة» اكتشفنا أو بمعنى أصح «توارثنا» طريقة «النقر بالأصابع» لطرق أي فكرة نريد سبر كنهها، بطَرقات أكثر خفة من أنامل فنان محترف على أصابع بيانو، وحسب الصوت المُنبعث من ممارسة الطرق تكون ردّة فعلنا بل وحكمنا على الشيء، حتى أننا نتوجس أحياناً من اللاشيء فنلجأ للعب اللفظي والحيل النحوية و«تبعيض» شيء لا يتجزأ، واستنتاجات لا تنطلق من معطيات واضحة، بل هي أشبه بالتنجيم إن لم تكن هي التنجيم ذاته، وبذلك نخسر مزيداً من الجهد والمال والذكاء والصبر على هذا الطَرق الذي تطربنا موسيقاه الضّاجة، متجاهلين أن الصوت الصادر عن الطَرق كلما كان أكثر وضوحاً فبالضرورة يكون المطروق فارغاً، لكننا نُصر على أن وصولنا للنقطة الأخيرة في جُب التيه يعني أننا وصلنا لمرحلة اليقظة، ونُقنع أنفسنا أن الوعي لن يبدأ إلا بعد مرحلة النضال التي توصل للقاع السحيق كشرط لبداية الوعي أو على الأقل الشعور باليقظة!نحن نمتلك الإرادة والقوّة والنبال والسهم، وهذا سر غرورنا الذي يعرفه الجميع، نمتلك كل شيء، ولم يتبق لدينا إلا تحديد الهدف فقط، لهذا تبدو أسئلتنا كثيرة جداً لكنها -مع الأسف- لا تبحث عن المعرفة، كل أسئلتنا رديئة ومريبة، دائماً تغرينا الأسئلة التي تنتهي بعلامة ارتياب، وليست علامة استفهام جادة وباحثة عن معرفة، بل وحتى إجاباتنا إذا طُرح علينا السؤال تفكّر كثيراً بمغزى السؤال أكثر من التفكير بالإجابة نفسها، ليس لأننا نخاف الحقيقة، لكننا نجهل حقيقتنا، أو بالأحرى اللا حقيقة واللا يقين المختبئين في جهلنا، فهل حان الوقت لمواجهة الأسئلة وعلامات الاستفهام، وهل ثمة مجازفة هنا؟.. ربما!
فهد العديم

فهيد العديم