كتاب وأراء

واشنطن والرياض .. هل هناك اتفاق ؟

لعل ما يجمع بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي يبلغ من العمر عتيا (فوق السبعين عاما) وولي العهد السعودي الشاب (الذي يتمتع بحيوية الاربعينات) أكثر من أي شيء آخر هو موقفهما المتشدد من حكومة الملالي في طهران. ان موقف الزعيمين من رفض الهيمنة الإيرانية على منطقة الشرق الأوسط وسيطرة إيران من خلال الجماعات التابعة لها طائفيا على مقدرات كثير من الدول العربية المجاورة لها والبعيدة عنها هو ما يجعل ولى العهد متحرجا من أن يأخذ اية خطوة عملية لاجبار ترامب على الرجوع عن قرارة المهين بنقل سفارة أميركا إلى القدس وانما اكتفى بالانضمام إلى بقية المنددين بالقرار من العرب والمسلمين.
وإذا كان ولي العهد يخشى من تغول إيران في المنطقة وما يمكن ان تسببه من قلاقل حتى في المملكة نفسها عن طريق تأثيرها على التابعين لها طائفيا في المنطقة الشرقية إلا ان ترامب لا يخشى من إيران شيئا، وانما يخشى على إسرائيل من إيران. وبالطبع يستمع هو ونائبه الصهيوني إلى تخوفات وتهويلات إسرائيل بشأن الخطر القادم من الدولة الفارسية.
ولأن إسرائيل في صالحها ما يجري الآن على الساحة الإقليمية والعالمية ولأنه لم ولن يأت مثل ترامب ونائبه الصهيوني من هو أكثر تحيزا لها ليحكم العالم فأنها تحاول مرار وتكرار من خلف الستار أو من امامه أن تصب مزيدا من الزيت على نار الفرقة الفارسية السعودية. وهي تلعب على حبال الخوف السعودي من إيران حتى تحيد بقدر الإمكان المملكة في موضوع المشكلة الفلسطينية.
ولكن الخوف الآن ان تستمر الحماقة الترامبية في قراءة المواقف العالمية والإقليمية بصورة خاطئة فتتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها المعلنة في سلب الحق الفلسطيني بمنتهى البساطة وبأيدينا نحن العرب.
وعلى ما يبدو أن إدارة ترامب التي تريد أن ترى للسعودية على وجه الخصوص، دورا محوريا في صنع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين فهي مع التوجه القائل بأن السعودية والحكومات العربية الأخرى أكثر اهتماما بالتهديد المتصور من إيران أكثر من أي علاقة مع إسرائيل ستمنى بالفشل مرة أخري.
فلقد كتب «ريتشارد هاس» خبير السياسة الشرق أوسطية في أروقة وزارة الخارجية الأميركية والمبعوث الخاص السابق لجورج بوش في «13» ديسمبر الجاري مقالا بعنوان «ترامب ومنطقية قرار القدس ونتائجه» جاء فيه انه يتوقع أن يفاجئ ترامب وجاريد كوشنر، صهره الذي يقود السياسة الأميركية في هذا المجال، بأن السعوديين ليسوا الشريك الدبلوماسي الذي يمكن الاعتماد عليه. اذ أن ولي العهد الجديد قلق ازاء موقفه السياسي الداخلي ومن ثم فهو سيتردد في الوقوف جنبا إلى جنب مع رئيس اميركي ينظر اليه على انه قريب جدا من إسرائيل التي لا ترغب في تلبية الحد الأدنى من المتطلبات الفلسطينية لإقامة دولة.
ما تصبو اليه إدارة ترامب هو أن يستخدم السعوديون مواردهم المالية لإقناع الفلسطينيين بالموافقة على تحقيق السلام مع إسرائيل على شروط تقبلها إسرائيل. ولكن لا تسير الأمور كما يخطط السيد ترامب أو السيد كوشنر حيث ان خطط ولي العهد السعودي داخل المملكة وخارجها لتثبيت حكمه لم يتسن لها النجاح بعد جهود مكافحة الفساد، رغم شعبيتها، تتعرض لخطر التشويه من خلال ملاحقة انتقائية للجناة (مما يوحي بأنها لفرض القوة واستعراض العضلات أكثر من محاولات للإصلاح) وهناك تقارير سلبية عن نمط حياة ولي العهد نفسه. هذا كما أصبحت الجهود المناهضة لإيران لا يمكن فصلها عما أصبح حربا لا تحظى بشعبية في اليمن والحرج الدبلوماسي في لبنان وقطر. وفي الوقت نفسه، أثبتت الخطط الطموحة لإصلاح البلد انها مجرد خطط لا يسهل تنفيذها، ومن المؤكد أن تنفر منها وتقاومها العناصر الأكثر تحفظا في المجتمع السعودي.
وهكذا يمكن القول إن قرار القدس الذي قال عنه ترامب انه «خطوة طال انتظارها لدفع عملية السلام والعمل نحو التوصل إلى اتفاق دائم» سيكون له تأثير معاكس عما توقعه متخذوه.

بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي