كتاب وأراء

الفساد والفاسدون

مازلت أتذكر منذ الطفولة الشعور بالرعب مما كان يحكى أمامي عن السفاح المصري الشهير محمود أمين سليمان، الذي تحولت حياته إلى رواية وفيلم سينما يسمى: «اللص والكلاب»، وبالتنقيب في طفولة هذا السفاح تبين أن أول الجرائم في حياته كانت سرقة بيض دجاج الجيران، مما يعني ان الفساد ينشأ في أحضان الفقر وغياب الضبط والتربية السليمة، وان فساد الكبار يبدأ وهم صغار، وانه لدى التنقيب في قصص حياة مشاهير الفاسدين فقد نتبين انهم عاشوا طفولة معوجة، تكتنفها ظروف غرست فيهم مبكرا بذور الفساد.
ونادرة جدا هي المجتمعات التي تخلو من الفساد وتنضبط فيها الأمور بشفافية، بينما الغالبية العظمى من المجتمعات في العالم تعاني علة الفساد بدرجات متفاوتة، فالمدن الفاضلة حلم ويوتوبيا يرسمها فقط خيال الفن أو كتابات مبدعين، ومهما اجتهدت المجتمعات في وضع النظم والتشريعات واتخاذ الإجراءات الحديدية، فان الفساد لا يكف عن البحث عن الثغرات لينفذ منها ويحتال عليها
ومؤخرا تابعت تحقيقا صحفيا استقصائيا قام به فريق من احد برامج شبكة تليفزيون هيئة الإذاعة البريطانية الذي أراد إثبات انه يمكن الاحتيال على النظم الموجودة لتحصيل الضرائب على البضائع المستوردة، ونجح هذا الفريق، الذي قام بمهمة صحفية سرية، في استيراد بعض البضائع من الصين وإدخالها إلى بريطانيا دون سداد ضريبة القيمة المضافة أثناء مرورها عبر الحدود، فتبين أن هناك طرقا مختلفة لشحن البضائع هدفها التهرب من الضريبة.
وقبل نحو أسبوعين أفادت وسائل إعلام في الصين بأن مسؤولا عسكريا رفيع المستوى انتحر في منزله بعد تحقيق معه في قضية فساد، إذ أن التحقيق توصل إلى أن هذا المسؤول قد «انتهك القواعد بشدة» و«يشتبه في أنه قدم وحصل على رشاوى». ما يعني انه حتى المجتمعات التي تفرض نظما اقتصادية واجرائية حديدية لا تبرأ ايضا من الفساد.
وفقدت رئيسة كوريا الجنوبية السابقة موقعها الرئاسي بسبب قضية فساد، بل ان جنازة اسطورة الحرية الزعيم مانديلا في جنوب إفريقيا لم تسلم من الفساد، فقد استولى مسؤولون محليون على 22 مليون دولار ادعوا انهم أنفقوها على الجنازة، وكثير من قراء الصحف اليومية في بعض دول العالم يبدأون قراءة صحفهم المفضلة من صفحة أو صفحات الحوادث، لمتابعة قضايا الفساد المروعة
كل ذلك يقودنا إلى حاجة عالم اليوم إلى معالجة «أزمة تربية وتعليم»، لا نبالغ لدى القول ان افرازاتها المتمثلة في قضايا الفساد، صارت من الكثرة والخطورة، بحيث أنها صارت ترهق أجهزة العدالة والقضاء، وتشكل عبئا على المحاكم في مجتمعات عدة، على الرغم من ان ردع الفساد بالقانون والعقوبات السجنية لا يكفي وحده لتنظيف المجتمعات من الفاسدين وتحقيق العدالة الناجزة، فعالم اليوم يحتاج إلى طرق ووسائط جديدة في نظم التربية والتعليم، اضافة إلى التربية الدينية السليمة والقويمة، تكون مصلا وترياقا يتعاطاه الاطفال صغارا فيشبوا كبارا وهم صالحون، وحتى تفطن المجتمعات وكليات التربية إلى ذلك سنظل نقرأ عن شخوص كنا نراها نجوما وقمما، سقطت إلى هاوية الفساد.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي