كتاب وأراء

رجل الدولة الصناعة الأولى

لو لم تكن تلك القلة في رجال الدولة لما كانت دول عربية عديدة تعرضت للأزمات الحادة التي تمر بها. صحيح أن هذه الأزمات نتجت عن أسباب متنوعة بعضها داخلي وبعضها الآخر خارجي، إلا أن العامل البشري، أو دور رجال الدولة، يبقى باستمرار حاضراً فيها. وبرغم كثرة تداوله، إلا أن مصطلح «رجل الدولة» يبقى ملتبساً. فليس كل من اشتغل بالسياسة رجل دولة، وليس كل من تقلد موقعاً تشريعياً أو تنفيذياً رجل دولة، فرجل الدولة ليس موقعاً وإنما موقف تماماً مثلما أن رجل الأعمال ليس مالاً وثراءً وإنما مشروع ورؤية.
ويعود الفضل للفيلسوف الإغريقي أفلاطون في تعريف رجل الدولة. ففي إحدى المحاورات التي كتبها دار نقاش بين المتحاورين حول «بوليتيكوس». وعلى لسان شخصية متأملة أسماها أفلاطون «زينون» أو الغريب، رأى «زينون» أن «البوليتكوس» أو رجل الدولة هو من يملك معرفة تؤهله للحكم ولإدارة القوة السياسية بشكل يحقق العدل ويضع مصلحة المواطنين في عين الاعتبار. هو من يعرف أنه يعمل لغيره لا لنفسه ويعي الحقوق التي يجب أن يؤديها لغيره والواجبات التي عليه أن يتحملها. هو أيضاً من يعرف المظالم التي يكابدها الناس والانقسامات التي تفرقهم حتى يصححها فيقيم العدل ويحقق الإنصاف.
ومع أن أفلاطون كتب عن رجل الدولة في عصر لم تكن الدول فيه أكثر من مجموعة مدن صغيرة إلا أن ما أكد عليه بشأن امتلاك المعرفة بطبيعة المهمة التي يؤديها المسؤولون ظل قائماً إلى أن ترسخ مفهوم رجل الدولة في أوروبا مع ميلاد وتطور الدولة القومية الحديثة. فقد بدأ مجموعة من الرجال منذ مطلع القرن السابع عشر في إعادة تشكيل وعي رجال الدين ورجال المال والأعيان بصفة خاصة حتى يكونوا رجال دولة إما بأن يبتعدوا عن السياسة إن لم يكن لديهم وعي بالمصلحة العامة أو أن يكتسبوا تلك المعرفة حتى يتحملوا المسؤولية مقدمين مصلحة الدولة على مصلحة أي كيان آخر خاص بهم.
ولعل الكاردينال «أرمان جين دو بليسي» المعروف بالكاردينال «ريشيليو» يمثل نموذجاً متقدماً لفكرة رجل الدولة. فبرغم كونه رجل دين كاثوليكي إلا أنه تولى وزارة الخارجية الفرنسية في 1616 ثم أصبح رئيساً للوزراء في 1624 وبقي فيه إلى أن توفي في 1642. وخلال فترة ولايته جعل من فرنسا دولة مركزية بالحد من سلطة الأعيان وملاك الأراضي الذين ظنوا أنهم بمصالحهم الواسعة وعلاقاتهم المتشابكة يوجهون الدولة. كما دعم، برغم كاثوليكيته، البروتستانت المخالفين له في العقيدة حتى تقوى شوكتهم ليضعفوا الإمبراطورية النمساوية أحد خصوم فرنسا الأوروبيين. وقد اعتبر نموذجاً لرجل الدولة لأنه فكر للدولة أكثر مما فكر بالدين.
ومع أن رجل الدولة قد يقدم على مسالك لا تستقيم أحياناً مع المبادئ إلا أنه لا يلجأ لذلك من أجل مصلحة خاصة وإنما لمصلحة الدولة. يستقيم في ذلك من هم في الحكم أو في المعارضة. وقد يكون بعض من هم في المعارضة أقرب لمواصفات رجل الدولة عن من هم في سدة الحكم. وهو أمر يصعب تصوره في منطقة كمنطقتنا في ظل عرف يقضي بتشويه المعارضين بل واعتبارهم أعداء للدولة.
وسواء كان في الحكم أو في المعارضة فلا يعتبر رجل دولة إلا من امتلك جملة مواصفات بعضها شكلي وبعضها موضوعي. من بينها الفصاحة والقدرة على التعبير وعرض الرأي بالحجة وليس بالغلظة والتعنيف. فرجل الدولة لا يؤثم المعارضين وإنما يقدر إسهاماتهم. هو من يتحلى بالأناة ويُقدر مختلف وجهات النظر. هو من يملك معرفة بالتاريخ والأحوال الاقتصادية والاستراتيجية بما يؤهله لاتخاذ القرارات المناسبة. هو أول من ينزل على حكم القانون ويجعل الأمة مصدراً للسلطات وللشرعية. هو من يملك مهارات التوازن وإدارة العلاقات السياسية بشكل آمن. هو من يحفظ الأمن والاستقرار دون أن يضحي بالحرية. هو من يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الذاتية ويجعل الدولة تعبيراً مقبولاً من كل الأفراد. يملك من الحنكة ما يؤهله لإدارة دفة الأمور في الداخل والخارج. هو من يبلور رؤية ترتقي بالدولة فلا تسقط في مغامرات مكلفة أو تُسخّر لصالح فئات تالفة. هو من يجعل الدولة مرجعية للسلوك يرى الناس فيها انتماءً وفضيلة.
ومع أن كثيراً من هذه الصفات ليس غائباً عن بعض أهل السياسة في منطقتنا إلا أنها ليست دائماً هي المقياس والمسطرة. والأمل كل الأمل أن يبدأ أهل السياسة رحلة التحول إلى رجال دولة. فصناعة رجال الدولة هي الصناعة الأولى. لكنها لن تتم إلا بفتح المجال العام لصقل المهارات وبناء القدرات. ووقت أن يكثر رجال الدولة ستستطيع الدول العربية تفادي أكثر الأزمات الحادة التي تعصف بها.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات