كتاب وأراء

عوالم متعددة

إن أحد منافع الأدب للشخص في المقام الأول تكمن في اللغة، المجتمع الذي لا يملك أدباً مكتوبا يعبر عن نفسه بدقة أقل، وأقل وضوحا من مجتمع يحمي طريقة التواصل الرئيسية له كما قال الأديب البيروفي «ماريو فراغاس يوسا» ومهمة «الكلمة» بتحسينها وتثبيتها عن طريق الأعمال الأدبية، إنسانية بلا قراءة ولا يصاحبها الأدب ستنتج ما هو أشبه بمجتمع صم وبكم، ناقص الفهم وذلك لعلته اللغوية، وسيعاني من مشاكل هائلة في التواصل نظرا للغته البدائية، وهذا يقع على مستوى الأفراد أيضا، فالشخص الذي لا يقرأ، أو يقرأ قليلاً، أو يقرأ كتبا سيئة، سيكون لديه عائق، ستجده يتحدث كثيرا ولكن المفهوم قليل، لأن مفرداته ضعيفة في التعبير عن الذات، في أحد المؤتمرات أعلن «بيل جيتس» أن الكتب اشياء عفى عليها الزمن، وأن شاشات الكمبيوتر قادرة على القيام بمهمات الورق، بالإضافة إلى أنها تأخذ مساحة أقل، وأسهل للتنقل، كما أن نقل الأخبار والآداب إلى هذه الشاشات سيكون له فائدة بيئية لإيقاف تدمير الغابات، لم أكن حاضرا خلال خطاب «جيتس» ولو كنت هناك لأعلنت استهجاني لأنه يعلن بوقاحة عن نيته إرسالي أنا وزملائي الكُتاب إلى خط البطالة، ولكنت تنازعت معه بقوة بخصوص تحليله، هل تستطيع الشاشة حقاً استبدال الكتاب من جميع الجوانب، أعترف بأن الإنترنت يؤدي لي مساعدة لا تقدر بثمن كل يوم في عملي، لكن امتناني لهذه الراحة لا يتضمن اعتقادا بأنه يمكن الشاشات الألكترونية أن تستُبدل بالورق، أو أن القراءة عبر الكمبيوتر توفر نفس المتعة والحميمية والتركيز العقلي والعزلة الروحية التي يمنحها الكتاب، إذا اختفى الورق فسيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة، ولا يزال هنا كسببٍ آخر لمنح الأدب منزلته الهامة في حياة الأمم، بدون الأدب سيعاني العقل النقدي، وهو المحرك الحقيقي للتغيير التاريخي، والحامي الأقوى للحرية، من خسارة لا تعوض، هذا بسبب أن الأدب الجيد كله متطرف، ويطرح أسئلة حادة عن العالم الذي نعيشه، الأدب لا يقول شيئا لمن هم راضون بما لديهم، لمن يرون الحياة بما يعيشونها الآن، الأدب هو قوت الروح المتمردة، وهو إعلان عدم الأنقياد، هو ملجأ لمن لديهم القليل جدا أو الكثير جدا في الحياة، ينقلنا إلى أرض خالدة لا تنتمي لزمان أو مكان، نصبح أكثر حساسية، وثراء، وأكثر تعقيدا وسعادة، وأكثر وضوحا مما نحن عليه في حياتنا الرتيبة، عندما نغلق الكتاب ونتخلى عن الخيال الأدبي، نعود إلى وجودنا الفعلي ونقارنه بالأرض المذهلة التي غادرناها تواً، وبالخيبة التي تنتظرنا، لكن هناك إدراكا هائلا ينتظرنا، وهي أن الحياة المتخيلة في الرواية أجمل وأكثر تنوعا، أكثر فهما وأقرب للكمال من الحياة التي نعيشها ونحن واعون، تلك الحياة التي تحدها الظروف وضجر الواقع، بهذه الطريقة نرى الأدب الجيد الحقيقي دائما كهدام، كمتمرد، كمقاوم، هو تحد لما هو موجود، إن الأدب يُحسن الأحوال إذا أصبح من برنامج الناس والمجتمع والحياة.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري