كتاب وأراء

في القضية الفلسطينية ولوم الضحية

إن خطاب بعض القنوات العربية، وبعض الكتاب في مواقع التواصل، والملقب بـ«الذباب الالكتروني»، نسبة لكونه لا يعكس اتجاهات الشارع، وتوجهات الشعب، بقدر ما يمثل بعض الأجهزة الرسمية ذات المنحى الإعلامي الركيك، يوجه اللوم للشعب الفلسطيني، متهما إياه ببيع أرضه، والتخلي عن المقاومة، والرحيل. تتحول هذه الهجمات لجزء من تبرير صمت جانب من النظام العربي الرسمي، عن قرار ترامب الخاص بنقل السفارة للقدس والاعتراف بها عاصمة للدولة الإسرائيلية. لقد وقع شيء مشابه عندما خاضت شعوب شتى النضال ضد الاستعمار.
إذ وضع الاستعمار وبعض المتنفذين المتأثرين بالاستعمار اللوم على سكان البلاد الأصليين، نسبة للظروف التي أدت لإبادتهم، بل سبق وأن لامت غولدا مائير الفلسطينيين والعرب على قتلها لهم ولأطفالهم. إن الانحياز لمروية المسيطرين تشعر من فقد إرادته بالقيمة. لغة الاستعمار، ولغة من يتأثر بها في النظام العربي، الرسمي بالتحديد، تهدف للتخلص من عبء الضمير تجاه فلسطين، والمسؤولية المصاحبة لها. للتزوير حدود، لأنه أداة الاستبداد من جهة، ولأنه من جهة أخرى في حالة عداء مع التاريخ الحقيقي للشعوب.
بالمقابل توجد مدرسة أخرى تنتشر بين السواد الأعظم من الناس والشعوب العربية والإسلامية، والتي تنطلق من حس عفوي معرفي بالأسباب التي دفعت بالصهيونية لاستعمار فلسطين وظلم شعبها. فإن كان الشعب الفلسطيني قد باع أرضه، كما تدعي المروية الإسرائيلية، فكيف نفسر المقاومة الضارية التي تميز بها الشعب الفلسطيني، أبا عن جد ومنذ وطأ الصهاينة الأوائل أرض فلسطين في بدايات القرن العشرين؟ لو وقعت حالة البيع والتخلي فمن أين جاء الجرح التاريخي ودرب الآلام المستمر في فلسطين منذ بدايات القرن العشرين؟ بل لماذا وقعت ثورات متتالية قام بها الشعب الفلسطيني بما فيها إضراب الستة شهور الشامل عام 1936، في ظل مواجهات كبرى مع الصهيونية والاستعمار البريطاني في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين؟ بل لماذا جاءت بريطانيا بجيش جرار كبير من مستعمرتها الاهم في الهند في العام 1938 بهدف تصفية الثورة الفلسطينية التي حررت معظم الريف وتركت أكبر الأثر في العالم العربي في حينها؟
لو باع الفلسطينيون الأرض كيف نفسر بأن إسرائيل عندما قامت في العام 1948 لم تكن تملك من الارض سوى 6%، هذا بطبيعة الحال أقل مما يملك مواطنو الخليج في بيروت وبحمدون ولبنان؟ وبالتأكيد لقد باع بعض الإقطاعيين وفي أغلبيتهم من العرب بعض الأراضي، لكن ذلك لم يغير من ملكية الأرض وفلسطينيتها وعروبتها. من الطبيعي أن نسأل ماذا حصل لـ 94% من الأرض التي وقع معظمها بقبضة الصهيونية عام 1948؟ لقد تم اقتحامها بالقوة، وتم طرد أهلها وسكانها وسط مجازر وحالة اقتلاع وتطهير عرقي بلا حق للعودة. وبعد قيام الدولة الصهيونية قامت إسرائيل بتدمير اكثر من 400 قرية فلسطينية في ظل استصدار سلسلة لم تتوقف من القوانين المعروفة باسم أملاك الغائب، بموجبها صادرت إسرائيل الاسواق الفلسطينية، والأوقاف، والممتلكات الخاصة الشخصية، والمنازل، والساحات، والمدن، والشركات والمؤسسات، والبساتين. لقد وقعت في فلسطين سرقة جماعية لم يعرف التاريخ مثيلا لها.
من يبيع لا يقوم بثورات بعد اللجوء، فثورة الفلسطينييين وكفاحهم منذ 1965 دفعت بعشرات الألوف من الفلسطينيين والعرب المتضامنين معهم لصناعة الملحمة تلو الاخرى وصولا لحرب بيروت ولبنان 1982 عندما اجتاحت إسرائيل كل لبنان، وقتلت ما يزيد على 20 ألف فلسطيني ولبناني. من المخيمات، في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا والوحدات ومخيمات فلسطين اندلعت المقاومة. وكيف نفسر الانتفاضة الفلسطينية الجبارة في العام 1987-1991، ثم انتفاضة الاقصى عام 2000 التي انتهت بتصفية ياسر عرفات عام 2004. بل كيف نفسر حروب غزة المتتالية 2008 ثم 2012، ثم 2014؟
عندما يزور التاريخ فإن الهدف هو الإقصاء وعزل القضية الفلسطينية عن مجالها ومحيطها العربي والإسلامي، تماما كما يقع الآن في مسألة القدس وحقوق الشعب الفلسطيني. إن مروية المظلومين كانت عبر التاريخ الإنساني أحد أهم محركاته.

بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا