كتاب وأراء

متاعب ما بعد الملكية .. النيبال نموذجا (1 ــ 2)

عانت نيبال، التي عـُرفت طويلا كبلاد مستقرة هادئة يحكمها نظام ملكي دستوري ذو هياكل ومؤسسات ديمقراطية (وإن لم تكن نموذجية)، من متاعب جمة ومشكلات لا حصر لها منذ أن تمردت جماعات مسلحة في عام 1996 ضد الحكومة بهدف إسقاط النظام الملكي وإقامة جمهورية تعتمد النهج اليساري الماوي غير المقبول حتى في بلاد المعلم ماو نفسه.
نجح الماويون في نهاية المطاف، وبعد سقوط نحو 17 ألف قتيل، في تحقيق أهدافهم، خصوصا بعد المجزرة الدموية التي قضت على جل أفراد الأسرة المالكة، بمن فيهم الملك بيرندرا في يونيو 2001 على يد ولي العهد الأمير ديبيندرا الذي انتحر بدوره لحظة تنفيذ جريمته ليؤول العرش إلى عمه الأمير جينندرا. هذه الحادثة البشعة لم تأت بملك جديد غير محبوب شعبيا فحسب، وإنما أزالت أيضا الكثير من هالات التقديس التي كانت تحظى بها العائلة المالكة على اعتبار أن الملك يجسد الإله الهندوسي فيشنو، وهو ما سهل مهمة المتمردين الماويين.
ومع تزايد متاعب الملك الجديد جراء عدم تمتعه بالشعبية مثل أخيه الراحل من جهة، وصداعه اليومي مع ساسة بلاده الفاسدين والمتكالبين على المناصب الرسمية من جهة أخرى، وافتقاره إلى حكمة أسلافه من جهة ثالثة (كونه كان رجل أعمال بعيدا عن السياسة لسنوات طويلة)، قرر جينندرا أن يحكم البلاد بقبضة حديدية فكان كمن يطلق رصاصة الرحمة على عرشه المتضعضع. إذ تظاهر النيباليون في الشوارع في عام 2005، محتجين على قرارات الملك بإعلان حالة الطوارئ واعتقال مجموعة من الساسة، الأمر الذي دفعه في العام التالي إلى الرجوع عن قراراته، لكن هذه الخطوة فسرها الكثيرون، ولاسيما المتمردون الماويون، على أنها ضعف، وبالتالي ضرورة مواصلة الضغوط على الملك كي يرحل.
وهو لئن انصاع في النهاية على مضض، وقرر تسليم السلطة في ديسمبر 2007 إلى حكومة مدنية مؤقتة - من بعد 239 سنة من الحكم الملكي - لتقيم الجمهورية المنشودة، فإن هذه الجمهورية لم تتمكن من تحقيق أي شيء يُعتد به، لا على صعيد تعزيز الاستقرار السياسي ولا على صعيد تحقيق الازدهار الاقتصادي والارتقاء بمستويات المعيشة المتدنية. ثم جاءت كارثة الزلزال المدمر في عام 2015، والذي نجم عنه 9000 قتيل و22 ألف جريح لتزيد البلاء بلاء وتــُعقد الأمور.
ويمكن القول بإيجاز شديد أن مرحلة الانتقال من الملكية إلى الجمهورية الديمقراطية اتسمت بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار والتجاذبات السياسية بدليل تغير الحكومات ورؤسائها عشر مرات خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية (بمعدل حكومة كل عام تقريبا)، الأمر الذي أعاق إقرار سياسات ترتقي بأحوال البلاد والعباد.
مؤخرًا، وتحديدا في الأسبوع الأخير من نوفمبر الماضي كان سكان هذه الدولة الجبلية المعزولة والفقيرة على موعد مع المرحلة الأولى لامتحان ديمقراطي جديد ونعني به اختيار ممثليهم لبرلمانين أحدهما على المستوى الوطني والآخر على مستوى الأقاليم على أن تـُجرى المرحلة الثانية في ديسمبر الجاري.
وهذه بالمناسبة هي المرة الأولى التي تجرى فيها الانتخابات بموجب دستور جديد تم إقراره بعد مخاض عسير في عام 2015. ويأمل الساسة النيباليون أن يحقق هذا الدستور بعض تطلعاتهم وآمال الشعب النيبالى لجهة الحد من الخلافات السياسية العبثية التي ما برحت تعيق التنمية والاستقرار، ولجهة تمثيل أقوى في البرلمان للنساء وطبقة المنبوذين والمهمشين.
وعلى الرغم من حالة التشاؤم السائدة حول حدوث تغيير كبير، وليس تغييرا محدودا، فإن النيباليين يأملون أن تؤدي التغييرات والتشريعات الجديدة إلى خروج الأحزاب الهامشية من دائرة العمل السياسي، وأنْ تتقلص شروط الإطاحة بالحكومة كي تتمكن الأخيرة من إكمال ولايتها المحددة بخمس سنوات، وبالتالي بقاؤها في الحكم لتنفيذ برامجها وسياساتها التنموية دون منغصات.
(يتبع)

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني