كتاب وأراء

ترامب في مستودع الخزف

- 1 -
لن تنتظر الولايات المتحدة الأميركية طويلا، لتدرك أنّ ما أعلنه رئيسها غريب الأطوار دونالد ترامب، باعتراف واشنطن بالقدس عاصمة للدولة اليهودية، قرارٌ كارثيٌ سيجر عليها كثيراً من المشكلات والأزمات.
المشكلات والأزمات لن تُصيب أميركا وحدها؛ ولكن سيمتدُّ أذاها لكل العالم، وهو يتعامل مع ما سيُخلِّفه قرار ترامب من ردود فعل. قرار ترامب أشبه بقرار الرئيس جورج بوش بغزو العراق وأفغانستان.
حقبة الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش، أثبتت أن مقولة (أميركا دولة مؤسسات)، مقولة زائفة ليس فيها من الحقيقة كثير؛ فبإمكان رئيس محدود القدرات ضعيف الذكاء مثل بوش الابن، أن يجعلها تخوض حروباً عبثية مطولة بلا جدوى سياسية أو أمنية.
بل العكس، ما تسببت فيه سياسات بوش الابن جعلت أميركا أقل أمناً وأكثر أعداء. وأصبح الواقع العيني يعكس المردود الكارثي لتلك القرارات المتهورة، وذلك ما عبَّرَ عنه الملف الذي أصدرته مجلة نيويورك تايمز مؤخراً.

- 2 -

الملفُّ جاء بمناسبة مرور 5 أعوام على الربيع العربي، وحوى أكثر من 40 ألف كلمة، أخذت في قراءة أسباب الواقع المتدهور للعالم العربي اليوم، وكيف تفكك وأصبح بؤرة للفوضى واللاجئين وظهور الجماعات المتطرفة.. داعش وأخواتها.
ملف مجلة نيويورك تايمز، وصفه المتابعون بالملحمي، وأحدث ضجة كبيرة في وسائل الإعلام الأميركية والغربية؛ لما تضمنه من حقائق كبيرة حيال ما جرى في العالم العربي، والذي ركز على أن غزو العراق عام 2003م كان هو الحدث المفصلي الذي جرَّ وراءه قاطرة الأحداث الجسام التي أدت إلى تفكك العالم العربي بالحالة التي نراها اليوم.
إن لم يكن بمقدور مؤسسات الدولة الأميركية، كبح جماح الرئيس دونالد ترامب، فإنها لا تبدو عاجزة عن تصريف قراره الأخير الذي اعترف فيه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، عبر خطاب صادم، يُزيح الستار عن جهل ترامب بطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، ويكشف عن رغبة مجنونة تنتاب هذا الرجل، في رؤية الأشلاء، واشتمام رائحة البارود.

- 3 -

إدراك هذه المؤسسات خطورة الخطوة، وضرورة التصدِّي لها على نحو عاجل ومطلوب، لما تحمله من تبعات تؤثر على أمنها ومصالحها، هو ما دفع وزير الخارجية الأميركي تيلرسون للخروج عن صمته، محاولاً تخفيف وطأة تصريحات الرئيس ترامب بكل ما تبعها من إدانات دولية، وغضب لا يزال يتدفق في أوساط الشعوب العربية والإسلامية، حيث قال تيلرسون «إن نقل السفارة إلى القدس لن يكون في عام أو عامين، وإننا سنفعّله عندما نكون قادرين على ذلك وأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يرسم مصيرها النهائي».
لا شكَّ أن في موقف تيلرسون، استجابة أيضاً، للنداءات الأوروبية وبعض الدول الكبرى وحتى من حلفاء ترامب الجدد في المنطقة العربية؛ فالاستجابة لهذه النداءات، تُمثِّلُ الحد الفاصل، ما بين الاستقرار والفوضى التي ستعم المنطقة، بكل تبعاتها الأمنية كما في حالة الدول الأوروبية، التي تعيش أوضاعاً داخلية مضطربة نتيجة القلق المتزايد من وقوع المزيد من الهجمات التي ظلت تستهدف العديد من مدنها.
أما في حالة الحلفاء العرب الذين سبَّب لهم قرارُ ترامب حرجاً بالغاً؛ فهم يُدركون مدى خطورة هذه الخطوة لما تُمثِّله القدس من مكانة تاريخية ورمزية للشعوب العربية والإسلامية، بمثل إدراكهم أن كل تطور بشأن القضية الفلسطينية، ينتقص من حق الفلسطينيين، سيتحوَّل لجذوة مقاومة داخلية في بلدانهم، على غرار ما حدث من ثورات للربيع العربي، التي مثلت فيها القضية الفلسطينية أحد أهم الأسباب التي أطاحت، بحلفاء أميركا السابقين في المنطقة.

- 4 -

من ناحية أخرى، يُعتبر قرار ترامب، صفعة قوية، لجهود مكافحة الإرهاب والتنظيمات الإسلامية المتطرفة التي أعلنت أميركا ترامب عزمها على كسر شوكتها، بل إنه سيشكل عامل قوة لتلك التنظيمات، التي سيزداد تأييدها في أوساط شعوب المنطقة، التي لا تزال تنظر بعين الغضب والسخط لمُخلَّفات رؤساء أميركا السابقين في العراق وأفغانستان وسوريا والصومال وفلسطين.

-أخيراً-

كل يوم يمر سيتأكد للعالم أن وجود ترامب بالبيت الأبيض أكثر خطورة من وجود ثور هائج في مستودع الخزف والزجاج.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال