كتاب وأراء

فلسطين بين الوجوه المطمئنة والوجوه المرعوبة

قضيت وقتا طويلا أتأمل صور تظاهرات الجمعة الماضي التي اندلعت في الضفة الغربية وقطاع غزة بين جنود الاحتلال الإسرائيلي وأهل فلسطين الذين خرجوا يعترضون على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاعتراف بمدنية القدس عاصمة لإسرائيل.
الصور التليفزيونية، دون شك، تنقل جانبا مهما من الأحداث وتوثق كثيرا من الجرائم لكن الصور الصحفية الثابتة تظل تؤكد أنه لا غنى أبدا عن كاميرا المصور الصحفي إلى جوار كاميرا المصور التليفزيوني لكن كاميرا المصور الصحفي أكثر دقة في نقل تعابير الوجوه والأشكال لاسيما وأن الكاميرات الحديثة تستطيع أن تلتقط الصور بسرعة عالية فتنقل كل الملامح والتغيرات على الوجوه فتظهر الصورة في النهاية وكأنها تتكلم، ورغم أن عددا من الشهداء سقطوا في تظاهرات الجمعة الماضي لكن الشهيد إبراهيم أبو ثريا من قطاع غزة والذي أصر على الخروج لمقاومة جنود الاحتلال على كرسيه المتحرك بصدر ووجه مليء بالجرأة والتحدي والشجاعة يبدو أنه أصاب الجنود الإسرائيليين بالهلع، فصوب قناص صهيوني بندقيته نحوه وأصابه إصابة قاتلة بعدها سقط الشهيد من على كرسيه المتحرك وسط عشرات من القنابل المسيلة للدموع لكنه أصر على التحدي رغم أن معظم من حوله جرى في اتجاهات مختلفة تحاشيا للقنابل والرصاص.
جلست أتأمل «30» صورة فوتوغرافية نشرتها صحيفة «ديلي ميل البريطانية» محاولا قراءة وجوه جنود الاحتلال المختفية وراء الأقنعة والحواجز وأتأمل وجوه الشباب المقاومين بالحجارة، وعدت إلى وجه إبراهيم أبو ثريا أتأمله في سبع صور مثلت مراحل خروجه للمقاومة وتحديه لجنود الاحتلال ثم إصابته ونقله إلى المستشفى حيث استشهد ثم شيعت جنازته..
يا إلهي!! ما حجم الطمأنينة التي اكتسى بها وجه إبراهيم مقابل العبث والرعب والخوف الذي اكتست به وجوه الجنود الصهاينة..! فى المقابل هناك جنود وليس جنديا واحدا يركضون خائفين في كل اتجاه من هذا المقعد الذي فقد قدميه في حرب إسرائيل على غزة في العام 2008 لكنه مع ذلك قرر أن يخرج ويواجه كما يوجه الآخرون بالحجارة والصدور العارية جنودا مدججين بالأسلحة لا يعرفون للإنسانية معنى ولا للرأفة سبيلا، أفتاهم العشرات من حاخاماتهم بأن قتل العرب واجب وتقرب إلى ربهم لذلك تجدهم يطلقون الرصاص بلا تردد ولا تراجع على أطفال ونساء وشيوخ وربما كانوا يخشون من هذا المقعد أكثر من خشيتهم من كثير من الأصحاء، لذلك قتلوه مباشرة ودون تردد..
رأيت سيدة فلسطينية شجاعة تدفعهم حتى لا يعتقلوا أحد الأطفال وقد تحلق حوله أكثر من عشرة جنود، ورأيت جنديا يركض ويوجه سلاحه لصحفيين يحملان كاميرا لأن الكاميرا تسجل الحقيقة وهم لا يريدون للحقيقة أن تخرج، رأيت عشرات الشبان يركضون بشجاعة وسط دخان القنابل المسيلة للدموع غير عابئين بها وهم يلقون الحجارة على الجنود الذي يفرون أمامهم بأسلحتهم وسياراتهم المدرعة.
لقد أشعل ترامب ونتانياهو حربا دينية بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، أكملها ترامب باستقبال عشرات الحاخامات في البيت الأبيض لأول مرة للاحتفال بعيد الحانوكاه وتحدث بكلام صهيوني متطرف غير عابئ بأحد.. المعركة طويلة دون شك لكن النصر في النهاية سيكون لأصحاب الوجوه المطمئنة..

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور