كتاب وأراء

عودة بالشرق الأوسط إلى صراع الوجود لا الحدود

منذ اندلاع الصراع العربي- الإسرائيلي عام 1948 وأدبياته الفكرية والسياسية تتحدث عن نظرتين مختلفتين تماما حول طبيعة هذا الصراع: أهو صراع وجود أم صراع حدود؟. ولأسباب عديدة تتعلق بتوازنات القوى بين العرب والإسرائيليين والتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط بين القوى الكبرى في العالم، سادت النظرة الثانية سياسيا، بينما ظلت جذوة النظرة الأولى متقدة عقائديا في مخيلة الشعوب العربية والإسلامية لا تنطفئ أبدا.
وقد أعاد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتراف الولايات المتحدة بأن القدس هي عاصمة إسرائيل والتوجيه بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، قضية الصراع في الشرق الأوسط إلى كونه صراع وجود أكثر من مجرد صراع حدود مع إضفاء الطابع الديني عليه. الكونغرس الأميركي اتخذ هذا القرار من قبل في عام 1995، واحتاج تفعيله توقيع الرئيس. ولم يوقع الرؤساء السابقون لاقتناعهم جميعا بخطورة تداعياته. ولكن ترامب هو الرئيس الوحيد الذي شذ عن مواقف أسلافه بتوقيعه القرار. ولو تراجع ترامب – فرضا- فإن ذلك لن يغير من الوضع الجديد شيئا؛ لأن الانطباع عن مدلولات القرار سيظل يفعل أثره.
لم يكن الرؤساء الأميركيون السابقون على خطأ بالتأكيد، ولكنهم ظلوا يميزون بين الاعتبارات الداخلية، وبين ما يجب أن يقوم به من هو على رأس البيت الأبيض من مواقف وسياسات. وما ساعدهم على ذلك أن الولايات المتحدة كانت متحدة بالفعل. إلا أن الانتخابات العامة الأخيرة كشفت عن انقسام حاد بين الأميركيين، فجاءت إلى الحكم رئاسة مسكونة بالقلق المستمر على شرعيتها، مما جعل قراراتها صادمة وعلى غير المألوف. مبررات ترامب لم تكن مقنعة. قال إنه أراد أن يفي بوعده للناخبين. ولكنه فور فوزه أرجأ اتخاذ القرار مثلما كان يفعل أسلافه، وقبل أن ينتهي العام اتخذ القرار بما يعني أنه إما خضع لضغوط شديدة من أتباعه واللوبى اليهودي، أو استشعر صعوبة الاستمرار في البيت الأبيض وأراد بخطوته هذه أن يوجه الأنظار إلى قضية أخرى يعلم أن خصومه لا يستطيعون الصمود فيها حتى لو رفضوها لأنها تتعلق بإسرائيل. كما برر موقفه بأن القدس بحكم الواقع عاصمة لدولة إسرائيل. ولكنه يعلم جيدا هو ومن أشاروا عليه بذلك أن الواقع المبني على الإكراه والاحتلال لا يعطي لصاحبه شرعية ولا مشروعية.
التفسير الأقرب إلى التصديق هو أن الرجل خضع لمطالب اليمين المتطرف الذي لا تعنيه أية ردود أفعال داخلية أو خارجية، وإنما تعنيه اعتبارات إيديولوجية دينية متطرفة مؤداها أن إسرائيل ستشهد يوما ما عودة مسيحية يهودية على أطلال حروب دينية لا مفر منها.
أعادت هذه الخطوة النظرة إلى الصراع على أنه صراع وجود لا صراع حدود. فعندما صدر قرار التقسيم من الجمعية العامة رقم 181 عام 1947 تم تقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما للعرب والأخرى للإسرائيليين. ومعلوم أن العرب رفضوا القرار ونشبت حرب 1948 التي خسروها وقامت دولة إسرائيل رسميا وكانت الولايات المتحدة أول من اعترف بها (رئاسة ترومان). وحتى حرب 1967 ظل التصور العربي للصراع أنه صراع وجود بمعنى أنه لابد أن تعود فلسطين عربية وتزول دولة إسرائيل. ولكن بعد ما أحدثته هذه الحرب من نتائج تركز كل الجهد لحل الصراع على أنه تفاوض على تحرير ما أمكن من الأراضي التي احتلت في تلك الحرب. أي هو صراع على الحدود فقط.
وفقا لقرار ترامب يعود الصراع إلى طبيعته الوجودية؛ لأنه ألغى طبيعة مسيرة السلام التي هي مفاوضات وتنازلات متبادلة حول الحدود، وذلك بعد أن أضفي مشروعية لإسرائيل على احتلالها للقدس الشرقية وقرر فرض إملاءات (لا مفاوضات) إذا ما أراد العرب والفلسطينيون استكمال المسيرة. وزاد الأمر خطورة بأن فتح صراع الوجود الجديد على أفق الحروب الدينية لأن القدس لها اعتباراتها الدينية التي يجب ألا تمس من قريب أو بعيد.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد