كتاب وأراء

مـــوت مُعلَـــن

موت مُعلَن، هي حكايةِ «حلِ الدولتينِ» التي بَدَت وكأنها حكايةِ إبريق الزيتِ التراثيةِ.. فكلما انتعش الحديث عن «حل الدولتين» استدارت الأمور بعد ذلك باتجاهِ الحديثِ عن وأدِ الحلِ إياه.
«حل الدولتين» الذي تتبناه الأسرةِ الدولية، والمُنسجم مع قراراتِ الشرعيةِ الدوليةِ ذات الصلة، ومع مبادرةِ السلام العربيةِ التي انطلقت من بيروت في مارس 2002، يترنح الآن أكثر من أيِ وقت مضى.
الحكاية تبدأ من الموقف الأميركي منذ مؤتمر مدريد للتسوية في الشرق الأوسط عام 1991، والذي يرى العمليةِ السياسيةِ برمتها بــ«التفاوض والمساومة على قرارات الشرعية الدولية» وليس من أجل تطبيقها، وبذا فــ«حل الدولتين» من الوجهةِ الأميركيةِ «عملية تفاوضية للاتفاق على شكل وماهية الدولة الفلسطينية» وليس لتحقيق الدولة الفلسطينية على كامل الأرض المحتلةِ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية.
لقد جاء قرار الرئيس دونالد ترامب الأخير بشأنِ مدينةِ القدسِ، وببُعدِهِ الاستراتيجي تعزيزاً لسياسة القضم المنهجي والتدريجي المُتسارع والمحموم لتهويد القدس الشرقية، كمقدمةٍ لمرحلةٍ جديدةٍ، تهدف إلى التخلصِ من أهلِ القدس ومواطنيها الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء، ورسمِ خريطةٍ جديدةٍ على أرض الواقع، ضمن حلقات المخططات والمشاريع «الإسرائيلية» لتوسيع المستوطنات في الجزءين الشمالي والغربي من مدينة القدس، وتوسيعِ نطاقِ حدود بلديتها لتضم المزيد من أراضي الضفة الغربية، ورسم خريطة ديمغرافية جديدة، ولقطع الطريق أمام أي عملية سياسية تقود لاعتراف العالم بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية في إطار «حل الدولتين»، وهو الحل الذي بدأ يترنح ويهتز منذ فترةٍ ليست بالقصيرةِ، حتى باعترافاتِ القادةِ «الإسرائيليين» من داخل حكومة نتانياهو قبل غيرها.
إن «إسرائيل» تتخذ تدابير وإجراءات يومية لطرد المواطنين الفلسطينيين من أبناء مدينة القدس وتشريدهم من أجل ضمان أغلبية يهودية في القدس الكبرى ومحيطها.. ويعتبر الجدار الفاصل من أهم التدابير التي تستعملها، حيث مكّنها من ضم 160 كيلومتراً مربعاً إضافية من الأرض المحتلة عام 1967 بجوار القدس، وفصل ما يزيد على 55000 مقدسي عن مركز مدينتهم.. ويمثّل ما تسميه سلطات الاحتلال بــ«التخطيط الحضري» أداة جيوسياسية واستراتيجية تستخدمها سلطات الاحتلال منذ 1967 لضمان السيطرة الديموغرافية والإقليمية اليهودية على المدينة ومحيطها، وابتلاع مطار القدس في قلنديا لإنهاء إمكانية وجود وقيام الدولة الفلسطينية و«حل الدولتين».
وبكل الحالات، لن يُفيدَ دولة الاحتلال دعواها لتكريس ما تُسميه بــ«يهودية الدولة» وأكذوبة «القومية اليهودية».. كما لن يفيدها مساعيها لوأد الحلم الوطني الفلسطيني المشروع بالدولةِ المستقلةِ والقدسِ عاصمتها، والإجهاز على حل الدولتين.. فإذا أرادت أن تبقى على غيّها، ستجد نفسها نهاية المطاف أمام حل الدولةِ الواحدةِ على امتدادِ أرضِ فلسطين التاريخية، التي يُقيم على أرضها الآن نحو نصف الشعب الفلسطيني وبواقع يقترب من ستة ملايين وربع المليون.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان