كتاب وأراء

ما نحن عليه

كل كتاب هو فريد من نوعه ولا يعوض، هذه كلمات الأديب الأرجنتيني «بورخيس»، الذي أصيب بالعمى في سنواته الأخيرة، وظل لمدة ثلاثين عاماً في الظلام، الذي لم يكن يبدده سوى نور الكتب التي كان الآخرون- بعضهم متطوعون والبعض الآخر بأجر- يقومون بقراءتها له بناءً على طلبه، وهو هنا يعيد صياغة كلمات «ابن العميد» الذي عاش قبله بأكثر من قرن، لقد هاجم الرعاع منزل ابن العميد الملقب بالجاحظ الثاني لبراعته في الكتابة ولعشقه للكتب، واستولوا على كل ما في البيت من مال وجواهر وغيره، ولما عاد ابن العميد لبيته لم يجد مقعداً يجلس عليه، ولا كوباً يشرب منه، وكان أول رد فعل له، الهرولة إلى المكتبة؛ حيث وجد كل كتبه في مكانها، حينها تنفس الصعداء والتفت نحو صاحبه المذهول وقال وهو يبتسم: «لنا عوض في الجواهر والأثاث والمال، لكن لا عوض لنا في الكتب».
وحرص عاشق الكتب «بورخيس» على تعلم اللغتين الإنجليزية والعربية ليتمكن من قراءة أكبر عدد ممكن من الكتب خاصة ألف ليلة وليله الذي كان مولعاً به، فنحن مدينون للأدب تقريباً وحسب رأيه بكل ما نحن عليه وما كنا عليه، ولو اختفت الكتب، التاريخ سيختفي، والوجود الإنساني أيضا سيختفي، وبعض الناس يظنون أن القراءة نوع من الهروب، هروب من العالم الواقعي إلى عالم متخيل، لكن عالم الكتب أكثر من ذلك، إنه فرصة للإنسان الذي ينشد بعض الكمال، فرصة لأن يتعلم أكثر ويفهم أكثر، ومن ثم يتغير للأحسن طبعاً، ولعل أكثر ما يزعج كل الأدباء هذا السؤال المتكرر، والذي يُعاد طرحه المرة تلو الأخرى: ما فائدة الأدب؟
اعتبر «خوريس» هذا السؤال غبياً، لدرجة أنه كان يود لو يصرخ على الملأ: «لا أحد يسأل عن فائدة تغريد الكناري، أو منظر غروب شمس جميل» وهذا هو معنى ملاحظة الأديب والصحفي البروفي «ماريو فراغاس يوسا» أليس من السخف أن نبحث عن مبرر عملي، إذا وُجد الجمال، وإذا استطاع هؤلاء ولو للحظة أن يروه ويعبروا عنها، حينها سيصبح هذا العالم أقل قبحاً وحزناً، لكن السؤال جيد بالفعل، لأن الروايات والأشعار لا تشبه بأي حال تغريد
الكناري أو منظر الغروب، هي لم تُوجد عن طريق الطبيعة أو المصادفة، هي إبداعات بشرية، ولذلك فمن اللائق أن نسأل: كيف ولماذا أتت إلى العالم، ولماذا بقت كل هذه المدة؟!

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري